التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ
١٠
وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ
١١
-العنكبوت

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} المكلفون ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره، وعناده، ومذبذب بينهما ويظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر، فالله تعالى لما بين القسمين الأولين بقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بين القسم الثالث وهو المنافق فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ} أصابه بلاء من الناس افتتن، {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، قال السدي، ابن زيد هذا (في) المنافق إذا أوذي في الله رَجَعَ عن الدين وكفر.
واعلم أنه قال: "فتنة الناس" ولم يقل: "عذاب الناس"؛ لأن فعل العبد ابتلاه من الله، والفتنة تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فبين منزلته، كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً، وهذا إشارة (إلى) أن الصبر على البلية الصادرة (من الإنسان) كالصبر (على العبادات) فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه - احْتِرازاً عن التعذيب العاجل - يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله.
فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً بل في بطنه الإيمان. قوله: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} أي فتح ودولة للمؤمنين "ليقُولُّنَّ" يعني هؤلاء المنافقين للمؤمنين {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} على عدوكم، وقال: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} ولم يقل: "ولئن جَاءَكُمْ"ولئن جاءك" والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون إنا معكم، وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: "إنّا معكم" إذا جاء النصر لا يجيء إلا للمؤمنين كما قال تعالى:
{ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } [الروم: 47]، ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة، بدليل أن أحد الجيشين إذا انهزم في الحال ثم ذكر المهزوم كرة أخرى وهزموا الغالبين لا يطلق اسم النصر إلا على من كان له العاقبة فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، والنصر لهم في الحقيقة. فإن قيل: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} ولم يقل: "من الله" من أن ما تقدم كله يذكر الله كقوله: {أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ}، وقوله: "كعذاب الله" فما الحكمة في ذلك؟
فالجواب: لأن - "الرب" - اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، و "الله" اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر الاسم الدال على الرحمة والشفقة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة. قوله: "لَيَقُولُنَّ" العامة على ضم اللام، أسند الفعل لضمير جماعة، حملاً على معنى "مَنْ" بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرىء: ليقولّنَّ بالفتح، جرياً على مراعاة لفظها أيضاً، وقراءة العامة أحسن لقوله: "إنَّا كُنَّا".
فصل
المعنى: إن المنافقين لما قالوا إنا كنا معكم، أي على عدوكم وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكذبهم (الله) وقال: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} من الإيمان والنِّفاق ولما بين أنه علم بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن لم يتكلم فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، "وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ" بترك الإسلام عند البلاء، وتقدم الكلام على (نظر) ذلك. (قال عكرمة) عن ابن عباس إنها نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى "بدر"، وهم الذين نزلت فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ}، وقال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.