التفاسير

< >
عرض

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٤
مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٥
وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ
٦
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٧
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٨
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ
٩
-العنكبوت

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} "أم" هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: "أحسب" وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: "ليست معادلة"؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في "حسب" هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل "أن" وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } [البقرة: 214]، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى "قدر"، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} يجوز أن تكون "ساء" بمعنى بئس فتكون "ما" إما موصولة بمعنى الذي، و "يحكمون" صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون "ما" تمييزاً، و "يحكمون" صفتها، والفاعل مضمر يفسره "ما" والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في "ما" أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء بـ "يحكمون" دون "حكموا" إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم "ما" إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني الشرك "أن يسبقونا" أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم {سَاءَ مَا يَحكُمُونَ} بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: {مَن كَانَ يَرْجُواْ} يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله
{ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً } [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
{وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا} وسبق القول بقوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وبقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} وقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله "فإنما" يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر على الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
{ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [التوبة: 43].
قوله: {أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ}، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال:
{ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [الأنعام: 160].
قوله: "حُسْناً" فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ).
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: "وفي ذلك تجوز"، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:

4025 - عَجِبْـتُ مِـنْ دَهْمَـاءَ إذْ تَشْكُـونَا وَمِـنْ أَبِـي دَهْمَـاءَ إذْ يُوصينـا
خَيْــراً بِهَــا كَأَنَّمَــا خَافُونَــا

ومنه قول الحطيئة:

4026 - وَصَّيْـتَ مِـنْ بَـرَّةَ قَلْبـاً حَـرَّا بِالْكَـلْـبِ خَيْـراً وبِالحَمَـاةِ شَــرَّا

وعلىهذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر "الوالدين" بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن "بوالديه" هو المفعول الثاني، فنصب "حسناً" بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل المؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي "بحُسْنٍ".
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف "أن" وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب "زيداً" في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب "زَيْداً" أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: "حَسَناً" وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى:
{ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } [الإسراء: 23].
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حُمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ. ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء "سعد" إليها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفساً) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه).
قوله: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ}.
قال عليه (الصلاة) والسلام:
"لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله" ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}.
وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة و) السلام: "والحقني بالصَّالِحينَ".