التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨١
فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٨٢
-آل عمران

اللباب في علوم الكتاب

العامل في "إذْ" وجوه:
أحدها: "اذكر" إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: "اذكروا" إن كان الخطاب لأهل الكتابِ.
الثالث: اصطفى، فيكون معطوفاً على "إذْ" المتقدمة قبلها، وفيه بُعْدٌ؛ بل امتناع؛ لبُعْده.
الرابع: أن العامل فيه "قَالَ" في قوله: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ} وهو واضح.
وميثاق، يجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أو لمفعوله، وفي مصحف أبيّ وعبد الله وقراءتهما:
{ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } كما في آخر السورةِ [الآية: 187]. وعن مجاهد، وقال: أخطأ الكاتب.
قال شهابُ الدين: "وهذا خطأٌ من قائله - كائناً مَنْ كان - ولا أظنه عن مجاهد؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ولم يَنْقُلْ عنه واحدٌ منهما شيئاً مِنْ ذلك".
والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح، وقد ذكروا فيها أوجهاً:
أحدها: أن الكلام على ظاهرهِ، وأن الله تعالى - أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضهم بعضاً وينصر بعضُهم بعضاً، بمعنى: أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبي الذي يأتي بعده، ولا يخذلوه وهذا قول سعيد بن جبيرٍ والحسن وطاووس.
وقيل هذا الميثاقُ مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس وقتادةَ والسدي، واحتج القائلون بهذا بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} [آل عمران: 81] وهذا يدل على أن الآخذ [هو الله - تعالى - والمأخوذ منهم هم النبيون، وليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة].
وأجيب بأن على الوجه الذي قلتم يكون الميثاقُ مضافاً إلى الموثَقِ عليه. وعلى قولنا إضافته [إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل - وهو الموثق - وإضافة الفعلِ إلى الفاعل أقوى من إضافته] إلى المفعول؛ فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال: ميثاقُ اللهِ وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ اللهُ الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أمَمِهم.
ويمكن أن يُراد ميثاق أولاد النبيين - وهم بنو إسرائيلَ - على حذف مضافٍ [وهو كما يقال: "فعل بكر بن وائل كذا"، و "فعل معد بن عدنان كذا"، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا].
ويحتمل أن يكون المراد من لفظ "النَّبِيِّينَ" أهل الكتاب، فأطلق لفظ "النَّبِيِّينَ" عليهم؛ تهكُّماً بهم على زعمهم؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب، ومنا النبيون، قاله الزمخشريُّ.
ويمكن أنه ذكر النبي والمراد أمته كقوله:
{ يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ } [الطلاق: 1].
واحتجوا - أيضاً - بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ، أمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عمْرانَ حَيًّا لَمَا وَسعهُ إلاَّ اتِّبَاعِي" .
وبما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "إن الله - تعالى - ما بعث آدم وَمَنْ بعده من الأنبياء عليهم السلام إلا أخذ العهد عليه لئن بُعِث محمدٌ وهو حَيٌّ ليؤمننَّ به، ولينصرنه".
القول الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله، والموثق عليه غير مذكور؛ لفهم المعنى، والتقدير: ميثاق النبيِّين على أممهم، ويؤيده قراءة أبَيّ وعبد الله، ويؤيده - أيضاً - قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [آل عمران: 82] والمراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بُعِث محمدٌ صلى الله عليه وسلم أن يُؤمِنوا به وينصروه وهو قول مجاهدٍ والربيع، واحتجوا بقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى أهل الكتابِ دون النبيين.
وقال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ اللهُ الميثاق منهم، يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه وكل الأنبياءِ يكونون عند مبعثه عليه السَّلامُ من زمرة الأموات والميت لا يكون مكلفاً، فعلمنا أن المأخوذ عليهم الميثاق ليسوا هم النبيين بل أممهم، ويؤكِّد هذا أنه - تعالى - حكم على مَنْ أخِذ عليهم الميثاقُ أنهم لو تولوا كانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم.
قال القفال عن هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بل يكون هذا كقوله:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] وقد علم الله تعالى أنه لا يُشرك قط، ولكن خرج هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وكقوله: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ } [الحاقة: 44-46] وكقوله في صفة الملائكة: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 29] وكل ذلك على سبيل الفرض والتقدير - فكذا هنا - وقوله: إنه سماهم فاسقين فهو على تقدير التولي، واسم الشرك أقبح من اسم الفسق - وقد ذكره - تعالى - على سبيل الفرض في قوله: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65].
واحتجوا - أيضاً - بأن المقصود من الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء وأجيب عن ذلك بأن درجاتِ الأنبياء أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت الآيةُ على أن اللهَ أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لو كانوا أحياءً - وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم كان أولى.
واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عباس قال: إنما أخذ الله ميثاقَ النَّبِيِّين على قومهم. وبقوله تعالى:
{ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة: 40] وبقوله: { وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } [آل عمران: 187].
وقال بعض أصحاب القول الأول: المعنى: أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه، ويصدقوه - إن أدركوه.
قال بعضهم: إن الله أخذ الميثاق على النبيين وأممِهم - جميعاً - في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد مع المتبوع عَهْد مع التابع، وهذا معنى قول ابن عباسٍ.
قرأ العامَّة: "لما آتيتكم" بفتح لام "لما" وتخفيف الميم، وحمزة - وحده - على كسر اللام. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير "لَمَّا" بالفتح والتشديد.
فأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه:
أحدها: أن تكون "ما" موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بفعل محذوف، ذلك الفعل هو جواب القسم والتقدير: واللهِ لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتاب. قال هذا القائلُ: لأن لامَ القسَم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على الفعل حُذِف. ثم قال تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال: وعلى هذا التقدير يستقيم النَّظْمُ.
وقال شهاب الدينِ: وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز ألبتة؛ إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام: "والله لزيداً" تريد: والله لنضربن زيداً.
الوجه الثاني: وهو قول أبي علي وغيره: أن تكون اللام - في "لَمَا" - جواب قوله: {مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي بمنزلة قولك: لزيدٌ أفضل من عمرو، فهي لام الابتداء المتلَقَّى بها القسم وتسمى اللام المتلقية للقسم. و"ما" مبتدأة موصولة و "آتيتكم" صلتها، والعائد محذوف، تقديره: آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و {مِّن كِتَابٍ} حال - إما من الموصول، وإما من عائده - وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} عطف على الصلة، وحينئذٍ فلا بد من رابط يربط هذه الجملةَ بما قبلها؛ فإن المعطوفَ على الصلة صِلة.
واختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف، تقديره: جاءكم رسول به، فحذف "به" لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَف إلا بشروط، وهي مفقودةٌ هنا، [وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفت، ومنهم من] قال: الربط حصل - هنا - بالظاهر، لأن الظاهر - وهو قوله "لما معكم" صادق على قوله: "لما آتيناكم" فهو نظير: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت أبو يوسف. وقال: [الطويل]

1529- فَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ وَأنْتَ الَّذِي فِي رَحْمةِ اللهِ أطْمَعُ

يريد رويت عنه، ورأيته، وفي رحمته. فأقام الظاهر مقام المضمر، وقد وقع ذلك في المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30] ولم يقل: إنا لا نضيع، وقال تعالى: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 90] ولم يقل: لا يضيع أجره وهذا رأي أبي الحسن والأخفش. وقد تقدم البحث فيه.
ومنهم من قال: إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في "مَعَ" و "لتؤمنن به" جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القَسَم المقدَّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو "لما آتيناكم" والهاء - في "بِهِ" - تعود على المبتدأ، ولا تعود على "رَسُولٌ" لئلاَّ يلزم خلُوّ الجملة الواقعة خبراً من رابط يربطها بالمبتدأ.
الوجه الثالث: كما تقدم، إلا أن اللام في "لَمَا" لام التوطئة؛ لأن اخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي "لتؤمنن" لام جواب القسم، هذا كلام الزمخشريِّ. ثم قال: و "ما" تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و "لَتُؤمِنُنَّ" سادّ مَسَدّ جواب القَسَم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى الذي. وهذا الذي قاله فيه نظرٌ؛ من حيثُ إن لام التوطئة تكون مع أدوات الشرط، وتأتي - غالباً - مع "إن" أما مع الموصول فلا يجوزُ في اللام أن تكون موطئةً وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في "ما" الوجهين، لحملنا كل واحد على ما يليق به.
الوجه الرابع: أن اللام هي الموطئة، و "ما" بعدها شرطية، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو "آتيْنَاكُمْ"، وهذا الفعل مستقبل معنًى؛ لكونه في جزاء الشرط، ومحله الجزم، والتقدير: واللهِ لأي شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا، وقوله: {مِّن كِتَابٍ}، كقوله:
{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } [البقرة: 106] وقد تقدم تقريره. وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} عطف على الفعل قبله، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عُطِف عليه، و "لَتُؤمِنُنَّ" جواب لقوله: {أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} وجواب الشرط محذوف، سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضمير في "بِهِ" عائد على "رَسُولٌ"، كذا قال أبو حيّان.
قال شهاب الدين: "وفيه نظر؛ لأنه يمكن عودُه على اسم الشرط، ويُستغنَى - حينئذٍ - عن تقديره رابطاً".
وهذا كما تقدم في الوجه الثاني ونظير هذا من الكلام أن نقول: أحلف بالله لأيهمْ رأيت، ثم ذهب إليه رجل قرشي لأحسنن إليه - تريد إلى الرجل - وهذا الوجه هو مذهب الكسائي.
وقد سأل سيبويه الخليل عن هذه الآية، فأجاب بأن "ما" بمنزلة الذي، ودخلت اللام على "ما" كما دخلت على "إن" حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام التي في "ما" كهذه التي في "إن" واللام التي في الفعل كهذه اللام التي في الفعل هنا. هذا نصُّ الخليلِ.
قال أبو علي: لم يرد الخليل بقوله: إنما بمنزلة الذي كونها موصولة، بل إنها اسم كما أن "الذي" اسم وإما أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله:
{ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ } [هود: 111] وقوله: { وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [الزخرف: 35].
وقال سيبويه: ومثل ذلك
{ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ } [الأعراف: 18] إنما دخلت اللام على نية اليمين. وإلى كونها شرطية ذهب جماعة كالمازني والزجَّاج والفارسيّ والزمخشري.
قال أبو حيّان: "وفيه خدش لطيف جدًّا" وحاصل ما ذكر: أنهم إن أرادوا تفسير المعنى فيمكن أن يقال، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلا يصح؛ لأن كلاَّ منهما - أعني: الشرط والقسم - يطلب جواباً على حدة، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما؛ لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل، فيكون في موضع جزمٍ، والقسم يطلبه على جهة التعلُّق المعنويّ به من غير عملٍ، فلا موضع له من الإعراب، ومحال أن يكون الشيءُ له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب. [وتقدم هذا الإشكال وجوابه].
الوجه الخامس: أن أصلها "لَمّا" - بالتشديد - فخُفِّفَتْ، وهذا قول أبي إسحاق وسيأتي في قراءة التشديد، وقرأ حمزة لما - بكسر اللام، خفيفة الميم - أيضاً - وفيها أربعة أوجه:
أحدها: وهو أغربها - أن تكون اللام بمعنى "بَعْد".
كقول النابغة: [الطويل]

1530- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لها فعَرفْتُهَا لِسِتّةِ أعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ

يريد: فعرفتها بعد ستة أعوام، وهذا منقول عن صاحب النَّظْم.
قال شهاب الدين: "ولا أدري ما حمله على ذلك؟ وكيف ينتظم هذا كلاماً؟ إذْ يصير تقديره: وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين بعدما آتيتكم، ومَن المخاطب بذلك؟".
الثاني: أن اللام للتعليل - وهذا الذي ينبغي أن لا يُحَاد عنه - وهي متعلِّقة بـ "لتؤمنن" و "ما" حينئذٍ - مصدرية.
قال الزمخشري: "ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لتؤمنن به على أن "ما" مصدرية، والفعلان معها - أعني: "آتيناكم" و "جاءكم" - في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل، والمعنى: أخذ اللهُ ميثاقهم ليؤمنن بالرسول، ولينصرنه، لأجل أن آتيتكم الكتابَ والحكمةَ، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونُصْرَتِهِ موافق لكم، غير مخالف لكم".
قال أبو حيّان: وظاهر هذا التعليل الذي ذكره، والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعل المقسَم فإن عنى هذا الظاهر، فهو مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلاً لأخْذ الميثاق، لا لمتعلِّقه - وهو الإيمان - فاللام متعلقة بـ "أخَذَ" وعلى ظاهر تقدير الزمخشريِّ تكون متعلقة بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} ويمتنع ذلك من حيث إن اللام المتلَقَّى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها تقول: والله لأضربن زيداً، ولا يجوز: والله زيداً لأضربن، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في "لَمَا" بقوله: "لتؤمنن".
وأجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفاً أو مجروراً - تَقَدُّمَه، وجعل من ذلك قوله:
{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [المؤمنون: 40].
وقوله: [الطويل]

1531-........................ بِأسْحَم دَاجٍ عَوْضُ لا نتفَرَّقُ

فعلى هذا يجوز أن يتعلق بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ}.
قال شهاب الدين "أما تعلُّق اللام بـ {لَتُؤْمِنُنَّ} - من حيث المعنى - فإنه أظهر من تعلُّقِها بـ "أخذ" فلم يَبْقَ إلا ما ذكر من منع تقديم معمول الجواب المقترن باللام عليه، وقد يكون الزمخشريُّ ممن يرى جوازه".
والثالث: أن تتعلق اللام بـ "أخَذَ"، أي لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت، أخذت عليكم الميثاقَ، وفي الكلام حذفُ مضاف، تقديره: رعاية ما آتيتكم.
الرابع: أن تتعلق بـ "المِيثاق"، لأنه مصدر، أي: توثقنا عليهم لذلك.
هذه الأوجه بالنسبة إلى اللام، وأما "ما" ففيها ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن تكون مصدرية كما تقدم عن الزمخشريِّ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى "الذي" وعائدها محذوف، و {ثُمَّ جَآءَكُمْ}، عطف على الصلة، والرابط بالموصول إما محذوف، تقديره: به، وإما قيام الظاهر مقام المضمر، وهو رأي الأخفشِ، وإما ضمير الاستقرار الذي تضمنه "مَعَكُمْ".
والثالث: أنها نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها، وعائدها محذوف، {ثُمَّ جَآءَكُمْ} عطف على الصفة، والكلام في الرابط كما تقدم فيها وهي صلة، إلا أن إقامة الظاهر مُقَامه في الصفة ممتنع، لو قلت: مررت برجل قام أبو عبد الله - على أن يكون قام أبو عبد الله صفة لرجل، والرابط أبو عبد الله، إذ هو الرجلُ في المعنى - لم يجز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر - عند من يرى ذلك - فيتعين عود ضمير محذوف وجواب قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ} قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} والضمير في "بِهِ" عائد على "رَسُولٌ" ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور، فلو قلت أقسمت لَلْخَبر الذي بلغني عن عمرو لأحْسِنَنَّ إليه، جاز.
وقوله: {مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} إما حالٌ من الموصول، أو من عائده، وإمّا بيانٌ له فامتنع في قراءة حمزة أن تكون "ما" شرطية، كما امتنع - في قراءة الجمهورِ - أن تكون مصدرية.
وأما قراءة التشديد ففيها أوجهٌ:
أحدها: أن "لَمَّا" هنا - ظرفية، بمعنى "حين" ثم القائل بظرفيتها اختلف تقديره في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجواب مقدَّر من جنس جواب القسم، فقال: "لَمَّا" - بالتشديد - بمعنى "حين" أي حين آتيتكم الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول، وجب عليكم الإيمان به، ونُصْرَتُه.
وقال ابن عطية: ويظهر أن "لَمَّا" هذه هي الظرفية، أي: لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأمثالهم أخذ عليكم الميثاق؛ إذ على القادة يُؤخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ فقدر ابن عطية جوابها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهب إليه مذهبٌ مرجوحٌ، قال به الفارسيُّ والجمهور وسيبويه وأتباعه والجمهور.
وقال الزجَّاجُ: أي: لما آتاكم الكتاب والحكمة، أي: أخذ عليكم الميثاق وتكون لما يؤول إلى الجزاء، كما تقول: لما جئتني أكرمتك.
وهذه العبارة لا يؤخذ منها كون "لما" ظرفية، ولا غير ذلك، إلا أن فيها عاضداً لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدمها، بخلاف تقدير الزمخشريِّ.
الثاني: أن "لَمَّا" حرف وجوب لوجوب، وهو مذهب سيبويه، وجوابها كما تقدم من تقديري ابن عطيةَ والزمخشري، وفي قول ابن عطيةَ: فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ - نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل، وهذه القراءة لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لما كانت "لَمَّا" تحتاج إلى جواب أشبه ذلك العلة ومعمولها؛ لأنك إذا قلت: لما جئتني أكرمتك؛ في قوة: أكرمتك لأجل مجيئي إليه، فهي من هذه الجهة كقراءة حمزة.
والثالث: أن الأصل: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، لأنها تقاربها، والإدغام - هنا - واجبٌ، ولما اجتمع ثلاث ميمات: ميم "من" وميم "ما" والميم التي انقلبت من نون - من أجل الإدغام - فحصل ثقل في اللفظ، قال الزمخشريُّ: "فحذفوا إحداها".
قال أبو حيّان: وفيه إبهام، وقد عيَّنها ابنُ جني بأن المحذوف هي الأولى، وفيه نظرٌ؛ لأن الثقل إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيحُ في نظائره إنما هو حذف الثاني، في نحو
{ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ } [القدر: 4] وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوفة هي النافية، قال: "لضعفها بكونها بدلاً، وحصول التكرير بها" و "مِنْ" هذه التي في لمن ما زائدة في الواجب على رأي الأخفشِ - وهذا تخريج أبي الفتح، وفيه نظر بالنسبة إلى ادِّعائه زيادة "من"، فإن التركيب يقلق على ذلك، ويبقى المعنى غير ظاهر.
الرابع: أن الأصل - أيضاً - لِمَنْ ما، ففُعِل به ما تقدم من القلبِ والإدغامِ، ثم الحذف، إلا أن "من" ليست زائدة، بل هي تعليلية، قال الزمخشريُّ: "ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى".
وهذا الوجه أوجه مما تقدمه؛ لسلامته من ادِّعاء زيادة "من" ولوضوح معناه.
وقرأ نافع "آتيناكم" بضمير المعظم نفسه، كقوله:
{ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } [الإسراء: 55] وقوله: { وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ } [مريم: 12]، والباقون: "آتيتكم" - بضمير المتكلم وحده - وهو موافق لما قبله وما بعده من صيغة الإفراد في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} و {جَآءَكُمْ} و {إِصْرِي}.
وفي قوله: "آتيتكم" و "آتيناكم" على كلتا القراءتين - التفاتان:
الأول: الخروج من الغيبة إلى التكلم في قوله: "آتينا" أو "آتيت" لأن قبله ذكر الجلالة المعظمة في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ}.
والثاني: الخروج من الغيبة إلى الخطاب في قوله: "آتيناكم" لأنه قد تقدمه اسم ظاهر، وهو {ٱلنَّبِيِّيْنَ} إذ لو جرى على مقتضي تقدُّم الجلالة والنبيين لكان الترتيب: وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتاهم من كتاب. كذا قال بعضهم، وفيه نظرٌ؛ لأن مثل هذا لا يُسَمَّى التفاتاً في اصطلاحهم، وإنما يسمى حكاية الحال، ونظيره قولك: حلف زيد ليفعلن، ولأفعلن، فالغيبة مراعاة لتقدم الاسم الظاهر، والتكلُّم حكاية لكلام الحالف. والآية الكريمة من هذا. وأصل: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}، لَتُؤمِنُونَنَّ به ولتنصرونن، فالنون الأولى علامة الرفع، و المشدَّدة بعدها للتوكيد، فاستثقل توالي ثلاثة أمثالٍ، فحذفوا نون الرفع؛ لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى - بحذفها - ساكنان، فحذفت الواو، لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله "مُصَدِّقاً" نصب على الحال من النكرة، وقد قاسَه سيبويه، وإن كان المشهور عنه خلافه، وَحَسَّنَ ذلك هنا كونُ النكرة في قوة المعرفةِ من حيث إنَّها أريد بها شخص معين - وهو محمد صلى الله عليه وسلم واللام في "لَمَا" - زائدة؛ لأن العامل فرع - وهو "مصدِّق" - والأصل مصدق ما معكم.
فصل
قال بعضُ العلماءِ: في الآية إضمار آخرَ، وأراح نفسه من تلك التكلُّفات المتقدمة، فقال: تقدير الآية: وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتُبَلِّغُنَّ الناسَ ما آتيتكم من كتاب وحكمة إلا أنه حذف "لتبلغن" لدلالة الكلام عليه؛ لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللام على هذا الفعل جاز حذفه اختصاراً، ثم قال بعده: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، ولا يحتاج إلى تكلُّف، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار، فهذا الإضمار الذي ينتظم به الكلام نظما ًجلياً أولى.
فصل
والمراد من الكتاب هو المنزَّل، المقروء، والحكمة هي الوحيُ الوارد بالتكليف المفصَّلة التي لم يشتمل الكتاب عليها.
وكلمة "مِنْ" - في قوله: {مِّن كِتَابٍ} تبيين لـ "ما" كقولك: ما عندي من الوَرِقِ دانقان.
وقيل: هذا الخطابُ إما أن يكون مع الأنبياء، فجميع الأنبياءِ، ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضُهم، وإن كان مع الأمم فالإشكال أظهر.
والجواب من وجهين:
الأول: أن جميع الأنبياء أوتوا الكتاب بمعنى كونه مهتدياً به، داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه.
الثاني: أشرف الأنبياء هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرفهم.
فإن قيل: ما وَجْه قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ} والرسول لا يجيء إلى النبيين، وإنما يجيء إلى الأمم؟
فالجواب: أما إن حَمَلْنا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} على أخذ ميثاق أممهم، فالسؤال قد زال، وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين من أنفسهم، كان قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ} أي: ثم جاءكم في زمانكم.
فإن قيل: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مُصَدقاً لما معهم - مع مخالفة شرعه لشرعهم -؟
فالجواب: أن المراد به حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول الشرائعِ، أما تفاصيلها فإن وقع خلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف؛ لأن جميع الأنبياءِ متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه، وأنّ الحقَّ في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف فهو في الحقيقة وفاق.
وأيضاً فالمراد بقوله: {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقٌ لما معهم من صفته، وأحواله المذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقةٍ لما ذكر في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقاً لما معهم.
والميثاق يحتمل وجهين:
أحدهما: هو أن يكون ما قُرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقيادَ لأمر اللهِ واجبٌ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزاتِ الدَّالَّةِ على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا - عند ذلك - وجوبه، فتقرير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من الميثاق.
ويحتمل أن المراد بأخذ الميثاق أنه - تعالى - شرح صفاتِه في كتب الأنبياء المتقدِّمين، وإذا صارت مطابقة لما في كتبهم المتقدمة، وجب الانقياد له، فقوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} يدل على هذين الوجهين، أما على الأول فقوله: "رسولٌ"، وأما على الثاني فقوله {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ}.
قوله: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ} فاعل "قَالَ" يجوز أن يكون ضمير الله - تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب بذلك أمَّته، ومتعلَّق الإقرار محذوف، أي: أقررتم بذلك كله؟ والاستفهام - على الأول - مجاز؛ إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم؛ لاستحالته في حق الباري تعالى، وعلى الثاني: هو استفهام حقيقة.
و "إصري" على الأول - الياء لله - تعالى - وعلى الثاني للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقرأ العامة "إصري" بكسر الهمزة، وهي الفصحى، وقرأ أبو بكر عن عاصم - في رواية - "أُصْرِي" بضمها ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور - وهو الظاهرُ - ويحتمل أن يكون جمع إصار ومثله أزُر في جميع إزار، والإصر: الثقل الذي يلحق الإنسان؛ لأجل ما يلزمه من عَمَلٍ، قال الزمخشري: "سُمِّي العهدُ إصْراً؛ لأنه مما يؤصر، أي: يُشَدّ، ويُعْقَد، ومنه الإصار الذي يُعْقَد به" وتقدم الكلام عليه في آخر البقرة.
فصل
إذا قلنا: إن اللهَ - تعالى - هو الذي أخذ الميثاق على النبيين كان قوله {ءَأَقْرَرْتُمْ} معناه: أأقررتم بالإيمان به، والنَّصْرِ له.
وذلك حين استخرج الذرية من صلب آدَمَ والأنبياء فيهم كالمصابيح - وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}؟ أي قبلتم على ذلكم عهدي.
والإصر: العهد الثقيل؛ والإقرار في اللغة منقول بالألف من قَرَّ الشيء يَقِرُّ إذا ثبت ولزم مكانه، وأقره غيره، والمقرُّ بالشيء، يُقِرُّه على نفسه، أي: يثبته.
والأخذ بمعنى القبول كثير في كلامهم، قال تعالى:
{ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [البقرة: 48] أي: لا تُقْبَل فِدْيَةٌ.
وقال:
{ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ } [التوبة: 104] أي: يقبلها.
وقوله: {أَقْرَرْنَا} أي: بالإيمان به، وبنصرته، وفي الكلام حذف جملة، حُذِفَت لدلالة ما تقدم عليها؛ إذ التقدير: قالوا: أقررنا، وأخذنا إصرك على ذلك كلِّه.
وقوله: {فَٱشْهَدُواْ} هذه الفاء عاطفة على جملة مقدَّرة، و التقدير: قال: أأقررتم؟ فاشهدوا، ونظير ذلك: ألقيت زيداً؟ قال: لقيته، قال: فأحْسِنْ إليه. التقدير: ألقيت زيداً، فأحسن إليه، فما فيه الفاء بعض المقول، ولا جائز أن يكون كل المقول؛ لأجل الفاء، ألا ترى قوله: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ} وقوله: {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا}.
لو كان كلّ المقول لم تدخل الفاء، قاله أبو حيان.
فصل
في معنى قوله: {فَٱشْهَدُواْ} وجوه:
الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، {وَأَنَاْ مَعَكُمْ} أي: وأنا على إقراركم، وإشهاد بعضكم بعضاً {مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} وهذا توكيد وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادةَ الله، وشهادة بعضهم على بعض.
الثاني: أن هذا خطاب للملائكة بأن يشهدوا عليهم، قاله سعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
الثالث: أن قولِه: {فَٱشْهَدُواْ} إشهاد على نفسه، ونظيره قوله:
{ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ } [الأعراف: 172] وهذا باب من المبالغة.
الرابع: فاشهدوا، أي: بيِّنوا هذا الميثاقَ للخاصّ والعامّ؛ لكي لا يبقى لأحد عذْرٌ في الجَهْل به، وأصله أن الشاهد يُبَيِّن صِدْقَ الدَّعْوَى.
الخامس: قال ابنُ عَبّاسٍ: {فَٱشْهَدُواْ} أي: فاعلموا، واستيقِنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له.
السادس: إذا قلنا: إنَّ أخْذَ الميثاقِ كان من الأمم، فقوله: {فَٱشْهَدُواْ} خطاب للأنبياء بأن يكونوا شاهدين عليهم. قوله: {مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} هذا هو الخبر؛ لأنه محط الفائدة. وأما قوله: {مَعَكُمْ} فيجوز أن يكون حالاً، أي: وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم، ويجوز أن يكون منصوباً بـ "الشَّاهدينَ" ظرفاً له عند مَنْ يرى تجويزَ ذلك - ويمتنع أن يكون هذا هو الخبرُ؛ إذ الفائدة به غير تامةٍ في هذا المقامِ.
والجملة من قوله: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} يجوز ألا يكون لها محل؛ لاستئنافها. ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل {فَٱشْهَدُواْ} والمقصود من هذا الكلام التأكيد، وتقوية الإلزام. قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ} يجوز أن تكون "مَنْ" شرطية، فالفاء - في "فَأولَئِكَ" جوابها. والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط. وأن تكون موصولةً، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرطِ، فالفعل بعدها على الأول - في محل جزم، وعلى الثاني لا محل له؛ لكونه صلة، وأما "فأولئك" ففي محل جزم أيضاً - على الأول، ورفع الثاني، لوقوعه خبراً و "هم" يجوز أن يكون فَصْلاً، وأن يكون مبتدأ.
ومعنى الآية: من أعرض عن الإيمان بهذا الرسولِ، وبنصرته، والإقرار له {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن الإيمان.