التفاسير

< >
عرض

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ
١٨
-الصافات

اللباب في علوم الكتاب

قوله: "بَلْ عَجِبْتَ" قرأ الأَخَوَانِ بضم التاء والباقون بفتحها، فالفتحُ ظاهر وهو ضمير الرسول أو كل من يصح منه ذلك. وأما الضم فعلى صرفه للمخاطب أي قُلْ يا محمد بل عَجِبْتُ أنا، أو على إسناده للباري تعالى على ما يليق به. وقد تقدم هذا في البقرة وما ورد منه في الكتابِ والسنة. وعن شُرَيْحٍ أنه أنكرها وقال: اللَّهُ لا يَعْجَبُ فبلغت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فقال: إنَّ شريحاً كان مُعْجَباً برأيه قرأها مَنْ هو أعلم (منه)؛ يعني عبد اللَّهِ بن مسعود وابن عباس. والعَجَبُ من الله ليس كالتَّعَجُّب من الآدميين كما قال: { { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } [التوبة:79] وقال: { { نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة:67]. فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه والعُجْب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذَّمِّ وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: "عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ" ، وقوله: "عَجِبَ رَبُّكُمْ مِن إِلِّكُمْ وقُنُوطِكِمْ وسُرْعَةِ إجَابتِهِ إيَّاكُمْ" . وسُئِلَ جُنَيْدٌ من هذه الآية فقال: إن الله لا يعجب من شيء ولكن اللَّهَ وافق رسولَه لمَّا عِجِبَ رسولُهُ وقال: { { إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } [الرعد:5] أي هو كما تقوله.
قوله: "وَيَسْخُرُونَ" يجوز أن يكون استئنافاً وهو الأظهر. وأن يكون حالاً. والمعنى أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك، وقالد قتادة: عَجِبَ نَبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه ولم يؤمنوا عجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فقال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} وَإِذَاَ ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ أي إذا وَعِظُوا بالقرآن لا يَتَّعِظُونَ.
وقرأ (جَنَاحُ) بن حبيش "ذُكِرُوا" مخففاً، "وإذا رأوا آية" قال ابن عباس ومقاتل: يعني انْشِقَاقَ القمر "يَسْتَسْخِرُون" يسخرون ويستهزئون، وقيل: يستدعي بعضُهم عن بعض السخرية وقرىء "يستستخرون" بالحاء المهملة. {وَقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} (أي سحر بَيِّن) يعني إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها لاعتقادهم أنها من باب السحر.
فصل
قال ابن الخطيب: والذي عندي في هذا الباب أن يقال: القوم كانوا يَسْتَبْعِدُون الحَشْر والقيامة وبقولون من مات وصار تراباً وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه؟ وبقوا في هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك ولا طريق إلى إزالة هذا الاستبعاد إِلاَّ من وجهين:
أحدهما: أن يذكر لهم الدليل على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم: هل تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن يكون قادراً على الأسهل. فهذا الدليل وإن كان جَلِيًّا قويًّا إلا أن (ذكر) أولئك المنكرين إذا عرض على قلوبهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها وإذا ذكروا لم يتذكروها لشدة بلادتهم وجهلهم فلا جَرَمَ لم ينتفعوا بهذا الدليل.
والطريق الثاني: أن يثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالته بالمعجزات ثم يقول: لما ثبت بالمعجزة كوني رسولاً صادقاً من عند الله فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حَقٌّ ثم إنّ أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضاً لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على أنها سِحْرٌ وسَخِرُوا منها واسْتَهْزَأُوا بها. وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
قوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهذا بيان للسَّبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط (بتراب) الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم. فهذا الإنسان كيف يعقل عَوْدُه بعينه حيًّا ثانياً؟‍!. ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال: قُلْ (لَهُمْ) يا محمد "نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُون" أي نعم تبعثون وأنتم صاغرون، والدخور أشد الصغار وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه (أمر) ممكن وإذا ثبت الجواب القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بأخبار المخبر الصادق فلما قامت المعجزات على صدق محمد - عليه (الصلاة و) السلام - كان واجب الصدق فكان مجرد قوله: "نَعَمْ" دليلاً قاطعاً على الوقوع.
قوله: {أَوَ آبَآؤُنَا} قرأ ابنُ عَامر وقالون: بسكون الواو على أنها "أَوْ" العاطفة المقتضية للشك والباقون بفتحها على أنها همزة استفهام دخلت على واو العطف، وهذا الخلاف جار أيضاً في "الواقعة" وتقدم مثل هذا في الأعراف في قوله:
{ { أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ } [الأعراف:98]، فمن فتح الواو أجاز في: "آبَاؤُنَا" وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على محل إن واسمها.
والثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير المستتر في: "لَمَبْعُوثُونَ". واستغني بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكنها تعين فيما الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل، وقد أَوْضَحَ هذا الزمخشريُّ حيث قال: "أو آباؤنا" معطوف على محل إنَّ واسمها أو على الضمير في: "لَمَبْعُوثُونَ"، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. قال أبو حيان: أما قوله معطوف على محل "إنّ" واسمها فمذهب سيبويه خلافه، فإن قولك: "إنَّ زَيْداً قَائِمٌ وعمرو" وعمرو فيه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، وأما قوله: أو على الضمير في لمبعوثون (الخ.....فلا يجوز أيضاً؛ لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلى على الجمل لا على المفرد؛ لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملاً في المفرد بواسطة حرف العطف وهمزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فقوله: {أَوَ آبَاؤُنَا} مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا. قلت: أما الرد الأول: فلا يلزم لأنه لا يُلْتَزَمُ مذهب سيبويه، وأما الثاني: فإن الهمزة مؤكدة للأولى فهي داخلة في الحقيقة على الجملة إلا أنه فصل بين الهمزتين بإنّ واسْمِهَا وخبرها. ويدل على هذا ما قاله هو في سورة الواقعة فإنه قال: دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في لمبعوثون) من غير تأكيد بنحن؟ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله:
{ { مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } [الأنعام: 148] لفصل (لا) المؤكدة بالنفي انتهى. فلم يذكر هنا غير هذا الوجه وتشبيهه بقوله لفصل (لا) المؤكدة للنفي لأن لا مؤكدة للنفي المتقدم بما إلا أن هذا مشكلٌ بأن الحرف إذا كرر للتأكيد لم يُعَدْ في الأمر العام إلا بإعادة ما اتصل به أولاً أو بضميره. وقد مضى القول فيه. وتحصل في رفع "آباؤنا" ثلاثة أوجه: العطف على محل "إنّ" واسمها، والعطف على الضمير المستكن في "لمبعوثون". والرفع على الابتداء والخبر مضمر، والعامل في "إذا" محذوف أي: أَنُبْعَثُ إذَا مِتْنَا. هذا إذا جعلتها ظرفاً غير متضمن لمعنى الشرط، فإن جعلتها شرطية كان جوابها عاملاً فيها أي إذا متنا بُعِثْنَا أوْ حُشِرْنَا.
وقرىء "إذَا" دون استفام، وقد مضى القول فيه في الرعد.
قوله: "وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ" جملة حالية العامل فيها الجملة القائمة مقامها "نَعَمْ" أي تبعثون وأنتم صاغرون أذلاَّء. قال أبو حيان: وقرأ ابن وَثّاب "نِعِمْ" بكسر العين وتقدم أن الكسائي قرأها كذلك حيث وقَعتْ. وكلامه هنا موهم أن ابن وثاب منفردٌ بها.