التفاسير

< >
عرض

لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
٤
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ
٥
خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ
٦
إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ
٨
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٩
-الزمر

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ} لاختار {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} يعني الملائكة كما قال: { { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ } [الأنبياء:17] ثم نزه نفسه فقال: "سُبْحَانَهُ" تنزيهاً له عن ذلك وعما لا يليق بطهارته {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} والمراد من هذا الكلام إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد.
قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} لما بين في الآية المتقدمة كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً قهاراً أي كامل القدرة ذكر عقيبها ما يدل على الاستغناء. وأيضاً لما أبطل إلهيَّة الأصنام ذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، وقد تقدم أن الدَّلائل التي يذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إمّا أن تكون فلكية أو أرضيَّة أما الفلكية فأقسام:
أحدها: خلق السموات والأرض. وقد تقدم شرحها في تفسير قوله تعالى:
{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } [الأنعام:1].
وثانيها: اختلاف أحوال الليل والنهار، وهو المراد ههنا من قوله: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ}. وفي هذه الجملة وجهان:
أظهرهما: أنها مستأنفة، أخبر تعالى بذلك.
والثاني: أنها حال، قاله أبو البقاء، وفيه ضعفٌ من حيث أن تكوير أحدهما على الآخر إنما كان بعد خلق السموات والأرض إلا أن يقال: هي حالٌ مقدرة، وهُو خلاف الأصل.
والتكوير: اللَّفُّ واللَّيُّ يقال: كَارَ العَمَامَةَ على رأسه وكَوَّرهَا، ومعنى تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل على هذا المعنى أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا وإذا غشي مكانه فكأنه لف عليه وألبسه كما يلف اللباس على اللابس أو أن كل واحد منهما يغيِّب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار أو إن هذا يَكر على هذا كُرُوراً متتابعاً فشبه ذلك بتتابع إكرار العِمَامَة بعضها على بعض. قاله الزمخشري. وهذا أوفق للاشتقاق من أشياء قد ذكرت. وقال الراغب: كَوْرُ الشيء إدارته وضمّ بعضه إلى بعض كَكَوْر العِمَامَة، وقوله: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ} إشارة إلى جرَيَان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما. وكوَّره إذا ألقاه مجتمعاً. واكْتَار الفرس إذا رد ذَنَبَهُ في عَدُوِهِ، وكَوارَةُ النَّحْل معروفة، والكُور الرَّحْلُ. وقيل لكل مِصر كُورةٌ وهي البقعة التي يجتمع فيها قرًى ومحال. قال ابن الخطيب: إن النور والظلمة عسكرانِ عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا، وذلك يدل على أن كل واحد منهما يكون مغلوباً مقهوراً، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهوة وهو الله تعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث:
"نَعُوذُ باللَّهِ من الحَوْر بَعْدَ الكَوْرِ" أي من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الإدبار بعد الإقبال.
قوله: {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} فإن الشمس سلطانُ النهار، والقمرَ سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطةٌ بهما كل يجري لأجل مسمى إلى يوم القيامة لا يزالان يَجْريَانِ إلى هذا اليوم، فإذا كان يوم القيامة ذهبا، والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كَدَوَرَانِ المَنْجَنُون على حدٍّ واحدٍ.
ثم قال: {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} ومعناه أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإنْ دلّ على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفارٌ عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكوْنُهُ غفاراً كثير الرحمة يوجب الرجاء والرغبة.
ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فبدأ بذكر الإنسان فقال: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم.
قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا} في "ثم" هذه أوجه:
أحدها: أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك أنه يروى أنه تعالى أخرجنا من ظهر آدم كالذَّرِّ، ثم خلق حواء بعد ذلك بزمانٍ.
الثاني: أنها على بابها أيضاً ولكن لمَدْرَكٍ آخر وهو أن يعطف بها ما بعدها على ما فهم من الصفة في قوله "وَاحِدَةٍ" إذا التقدير من نفس وحِّدَتْ أي انفردت ثم جعل منها زوجها.
الثالث: أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجوديِّ كأنه قيل: كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زَوْجَها.
(الرابع: أنها للترتيب في الأحوال والرُّتَب، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما وجه قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}) وما تعْطيه من التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالاً على وحدانيته وقدرته بتشعيب هذا الخلق الثابت للحصر من نفس آدم عليه (الصلاة و) السلام وخلق حواء من قُصَيْرَاه إلا أنّ إحديهما جعلها الله عادة مستمرةً والأخرى لم تجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قُصَيْرَى رجل فكانت أدخل في كونها آية وأَجْلَبَ لعَجَب السامع فعطفها "بِثُمَّ" على الآية الأولى للدلالة على مُبايَنَتِهَا فضلاً ومزيَّة وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهي مِنَ التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود.
قال ابن الخطيب: إن كلمة "ثمَّ" كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد المكانين عن الآخر كقول القائل: بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ اليَوْمَ ثم ما صَنَعْتَ أَمْسِ أعْجَبُ، وأَعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئاً ثُمَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ أَمْس أَكْثر.
قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} عطف على "خَلَقَكُمْ". والإنزال يَحْتَمِلُ الحقيقةَ، يروى أنه خلقها في الجنة ثم أنزلها. وَيحْتَمِلُ المجاز. وله وجهان:
أحدهما: أنها لما لم تعش إلا بالنبات والماء والنبات إنما يعيش بالماء والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزل عليها وهو في الحقيقة مطلق على سبب السبب كقوله:

4288- أَسْنِمَةُ الآبَالِ فِي رَبَابِهِ

وقوله:

4289- صَارَ الثَّرِيدُ في رُؤُوسِ العِيدَانِ

وقوله:

4290- إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وإِنْ كَانُوا غِضَابَا

والثاني: أن قضاياه وأحكامه منزلةً من السماء من حيث كتبها في اللوح المحفوظ، وهو أيضاً سبب في إيجادها. وقال البغوي: معنى الإنزل ههنا الإحداث والإنشاء كقوله: { { أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ } [الأعراف:26]، وقيل: معناه: أنزل لكم من الأنعام جعلها نزلاً لكم ورزقاً ومعنى ثمانية أزواج أي ثمانية أصناف، وهي الإبل والبَقَر والضَّأن والمَعِز، وتقدَّم تفسيرها في سورة الأنْعَام.
قوله: "يَخْلُقُكُمْ" هذه الجملة استئنافية، ولا حاجة إِلى جَعلهَا خبر مبتدأ مضمر بل استؤنفت للإخبار بجملة فعلية، وقد تقدم خلاف القراء في كسر الهمزة في "اُمَّهَاتِكُمْ".
قوله: "خَلْقاً" مصدر "خَلَقَ"، وقوله: {مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} صفة له فهو لبيان النوع من حيث إنه لما وصف زاد معناه على معنى عامله، ويجوز أن يتعلق {مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} بالفعل قبله، فيكون خلقاً لمجرد التوكيد.
قوله: "فِي ظُلُمَاتٍ" متعلق "بخَلْقٍ" الذي قبله، ولا يجوز تعلقه "بخَلْقاً" المنصوب، لأنه مصدر مؤكد، وإن كان أبو البقاء جوزه ثم منعه بما ذكرت فإنه قال: و "في" يَتَعَلَّق به؛ أي "بخَلْقاً" أو "بخَلْق" الثاني، لأن الأول مؤكد فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله لأنه قد تعلق به حرف مثله، ولا يتعلق حرفان متحدان لفظاً ومعنى إلا بالبَدَلِيَّةِ أو العطف، فإن جعلت "في ظلمات" بدلاً من {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ} بدل اشمتال لأن البطون مشتملة عليها وتكون بدلاً بإعادة العامل جاز ذلك أعني تَعَلُّقَ الجَارَّين بـ "يخْلُقكم" ولا يضر الفَصْلُ بين البَدَل والمبدل منه بالمصدر لأنه من تَتِمَّة العامل فليس بأجنبيٍّ.
فصل
هذه الحالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون الأمهات، وقوله: {خلقاً من بعد خلق} معناه ما ذكر الله تعالى في قوله:
{ { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ.... } الآيات [المؤمنون:12-14].
وقوله: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة، وقيل: الصلب والرحم والبطن. ووجه الاستدلال بهذه الآيات مذكور في قوله:
{ { هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ } [آل عمران:6].
قوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} يجوز أن يكون "الله" خبراً "لِذَلِكُمْ" و "ربُّكُمْ" نعت لِلَّه أو بيان له أو بدل منه. ويجوز أن يكونَ "الله" بدلاً من "ذلكم" و "ربكم" خبره، والمعنى: ذَلِكُمُ اللَّهُ الذي خلق هذه الأشياء رَبُّكُمْ.
قوله: "لَهُ المُلْكُ" يجوز أن يكون مستأنفاً، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون "الله" بدلاً من "ذلكم" و "ربكم" نعت لله أو بدل منه، والخبر الجملة من "له الملك". ويجوز أن يكون الخبر نفس الجار والمجرور وحده، و"المُلْكُ" فاعل به فهو من باب الإخبار بالمفرد.
قوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون خبراً بعد خبر.
فصل
قوله: "له الملك" يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا مُلْكَ إلا له وجب القول بأن لا إله إلا هو.
ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته وحكمته ورحمته زَيَّف طريقة المشركين وقال: "فَأَنَّى تُصْرَفُونَ" عن طريق الحق بعد هذا البيان، وهذا يدل على أنهم لم يصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفهم عنها غيرُهم وما ذلك الغير إلا الله وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل أحد يريد تحصيل الحق والصواب فلمَّا لم يحصل ذلك فإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه. واستدلت المعتزلة بهذه الآيات أيضاً لأن قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} تعجب من هذا الانصراف ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله لم يبق لهذا التعجب معنى. قوله: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي إنه تعالى ما كلف المكلفين ليجرّ إلى نفسه منفعةً أو ليَدْفَع عن نفسه مضرَّة لأنه تعالى غني على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، لأنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته في جميع صفاته يكون غنياً على الإطلاق وأيضاً فالقادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسيّ والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة ممتنع أن ينتفع بصلاة "زَيْدٍ" وصيامِ "عَمْرٍو" وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذلك.
ثم قال: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي وإن كَان لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، إلا أنه لا يرضى بالكفر. قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم:
{ { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [الحجر:42] فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى كقوله: { { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } [الإنسان:6] يريد بعض العباد، وقال قتادة: لا يرضى لأحد من عباده الكفر أي لا يرضى لعباده أن يكفروا به. وهو قول السَّلَفِ قالوا: كُفر الكافر غير مرضي لله وإن كان بإرادته.
واحتج الجبائيّ بهذه الآية من وجهين:
الأول: أن المُجبرة يقولون: إن الله تعالى خلق العباد وأفعالهم وأقوالهم وكل ما خلقه حقّ وصواب، وإذا كان كذلك كان قد رَضِي بالكفر من التوجه الذي خلقه وذلك ضد الآية.
الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله واجب وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضاً برضا الله تعالى. وأجيب بوجوه:
أحدها: إن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين كما قدماه عن ابْنِ عَبَاسٍ.
وثانيها: قول السلف المتقدم وأنشد ابنُ دُرَيْدٍ:

4291- رَضِيتُ قَسْراً أو عَلَى القَسْرِ رِضا مَنْ كَانَ ذَا سُخْطٍ علَى صَرْفِ القضا

أثبت الرضا مع القَسْر.
وثالثها: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} عام فيتخصص بالآيات الدالة على أنه تعالى لا يريد الكفر لقوله تعالى:
{ { وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } [الإنسان:30].
قوله: "وَإِن تَشْكُرُواْ" أي تؤمنوا بربكم وتُطِيعُوه "يَرْضَهُ لَكُمْ" فَيثيبكم عليه. قرأ ابن كثير والكسائي وابن ذكوان يَرْضَهُو بالصلة. وهي الأصل من غير خلاف وهي قراءة واضحةٌ. قال الواحدي: من أشبع الهاء (حتى ألحق فيها واواً لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه، وقرأ "يَرْضَهُ" بضم الهاء) من غير صلة بلا خلاف نافعٌ وعاصمٌ وحمزة وقرأ "يَرْضَهْ" بإسكانها وصلاً من غير خلاف السُّوسِيُّ عن أبي عمرو، وقرأ بالوجهين أعني الإسكان والصلة الدّورِيّ عن أبي عمرٍو. وقرأ بالإسكان والتحريك من غير صلة هشام عن ابن عامر. فهذه خمس مراتب للقراءة وقد تقدم توجيه الإسكان والقصر والإشباع أول الكتاب وما أنشد عليه، ولا يلتفت إلى أبي حاتم في تَغْليطه رَاوِي السكون؛ فإنها لغة ثابتةٌ عن بني عقيل وبني كِلاَبٍ.
قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} قال الجبائي: هذا يدل على أنه لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يأخذ الأولاد بذنوب الآباء واحتج به أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العَاقِلَة. ثم قال: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} وهذا يدل على إثبات البعث والقيامة {فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وهذا يدل على تهديد العاصي وبشارة المطيع. وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} كالعلة لما سبق أي إنه إنما ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف قال - صلى الله عليه وسلم -:
"إنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَلاَ إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُمْ" .
قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ} لما بين فساد القول بالشِّركِ وبين أنه تعالى هو الذي يجب أن يعبد بين ههنا أن طريقة الكفار متاقضة لأنهم إذا مسهم الضر طلبوا دفعه من الله، وإذا أزال ذلك الضر عنهم رَجَعُوا إلى عبادة غيره فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله تعالى في جميع الأحوال لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض طريقهم. والمراد بالإنسان الكافر، وقيل المراد: أقوام معينين كعُتْبَةَ بْنِ ريبعة وغيره. والمراد بالضر جميع المكاره سواء كان في جسمه أو ماله أو في أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده.
قوله: {مُنِيباً} حال من فاعل "دَعَا" و "إلَيْهِ" متعلق "بمُنِيباً" أي راجعاً إليه في إزالة ذلك الضر، ولأن الإنابة الرجوع.
قوله: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} أعطاه "نعمة منهُ" أي أعطاها إياه ابتداء من غير مقتضٍ. ولا يتسعمل في الجزاء بل في باتداء العطيَّة، قال زهير:

4292- هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المَالَ يُخْولوا.....................

ويروى: يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلوا، وقال أبو النجم:

4293- أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوِّلِ

وحقيقة خول من أحد معنيين إما من قولهم: هو خائلُ مال إذا كان متعهِّداً له حسن القيام عليه، وإما من خَالَ يَخُول إذا اخْتَالَ وافْتَخَر، ومنه قول العرب: إن الغَنِيَّ طَويلُ الذَّيْلِ مَيَّاسُ الخَيْلِ، وقد تقدم اشتقاق هذه المادة مُسْتَوْفًى في الأنْعَام.
قوله: "منه" يجوز أن يكون متعلقاً "بِخَوَّلَ" وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة: "لِنِعْمَةٍ".
قوله: "نَسِيَ" أي تَرَكَ {مَا كَان يَدْعُو إلَيْهِ} يجوز في "ما" هذه أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي مراداً بها الضُّرّ أي نَسِيَ الشَّرَّ الذي يدعو إلى كَشفه أي ترك دعاءه كأنه (لم) يتضرع إلى ربه.
الثاني: أنها بمعنى الذي مراداً الباري تعالى أي نسي الله الذي كان يتضرع إليه. وهذا عند من يجيز وقوع "ما" على أولي العلم، وقال ابن الخطيب: وما بمعنى "مَنْ" كقوله:
{ { وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } [الليل:3] { { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } [الكافرون:3] { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء:3].
الثالث: أن تكون "ما" مصدرية أي نَسِيَ كَوْنَهُ داعياً.
الرابع: أن تكون (ما) نافية وعلى هذا فالكلام تام على قوله: ("نَسِيَ") ثم استأنف إخباراً بجملة منفية، والتقدير: نسي ما كان فيه لم يكن دعاء هذا الكافر خالصاً لله (تعالى). وقوله: "مِن قَبْلُ" أي من قبل الضر على القول الأخير، وأما على الأقوال قبله فالتقدير من قبل تحويل النِّعْمة.
قوله: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} يعني الأوثان {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو "لِيَضِلَّ" بفتح الياء أي ليفعل الضلالَ بنفسه، والباقون بضمها فمفعوله محذوف، وله نظائر تقدمتْ، واللام يجوز أن تكون للعلة، وأن تكون لام العاقبة كقوله:
{ { فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص:8].
ثم قال: قُلْ يَا مُحَمد لهذا الكافر "تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قِلِيلاً" في الدنيا أي إلى انقضاء أجلك، وليس المراد منه الأمر بل المراد منه الزجرُ وأن يعرفه قلة تَمَتُّعِهِ في الدنيا ثم مصيره إلى النار، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل: نزلت في حُذَيْفَةَ بنِ المغيرة المَخْزُومِيّ، وقيل: عامٌّ في كل كافر.
قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} لما شرح الله تعالى صفات المشركين وتمسكهم بغير الله أردفه بشرح أحوال المحقين. قرأ الحَرَمِيَّان نافعٌ وابنُ كثير بتخفيف الميم والباقون بتشديدها فأما الأولى ففيها وجهان:
أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على "مَنْ" بمعنى الذي، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أَمَّنْ هُوَ قَانتٌ كَمْن جَعَل لِلَّهِ أنْدَاداً؟ أو: أمَّنْ هُوَ قانت كغيره؟ أو التقدير: أَهَذا القَانِتُ خيرٌ أم الكافر المخاطب بقوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً}؟ ويدل عليه قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} محذوف خبر المبتدأ وما يعادل المستفهم عنه. والتقدير أن الأوَّلان أولى لقلة الحذف ومِنْ حذف المعادل للدلالة قول الشاعر:

4294- دَعَانِي إِلَيْهَا القَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهَا سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرشْدٌ طِلاَبُهَا

يريد: أم غي.
الثاني: أن تكون الهمزة للنداء و"مَنْ" مُنَادَى ويكون المنادَى هو النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو المأمور بقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} كأنه قال: يا مَنْ هُوَ قانت قُلْ كَيْتَ وكَيْتَ كقول الآخر:

4295- أَزَيْدٌ أَخَا وَرْقَاء إنْ كُنْتَ ثائِراً ........................

وفيه بعد، ولم يقع في القرآن نداء بغير يا حتى يحمل هذا عليه. وضعف أبو حيان هذا الوجه بأنه أجنبي مما قبله ومما بعده، قال شهاب الدين: وقد تقدم أنه ليس أجنبياً مما بعده إذ المنادى هو المأمور بالقول. وضعفه الفارسي ايضاً بقريب من هذا. وتجرأ على قارىءِ هذهِ القراءةِ أبو حَاتم والأخفش، وأما القراءة الثانية فهي "أم" داخلة على من الموصولة أيضاً فأدغمت الميمُ في المِيم. وفي "أم" حينئذ قولان:
أحدهما: أنها متصلة ومعادلها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ أم الذي هو قانتٌ، وهذا معنى قول الأخفش.
قال أبو حيان: ويحتاج حذف المعادل إذا كان أَوَّلَ إلى سماع، وقيل: تقديره أمّن يعصي أمن هو مطيع يستويان وحذف الخبر لدلالة قوله {هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ}.
والثاني: أنها منقطعة فتتقدّر ببل والهمزة أي بل أمَّنْ هو قانت كغيره أو كالكافر المقولِ له تمتع بكفرك.
وقال أبو جعفر: هي بمعنى "بَلْ" و "مَنْ" بمعنى الذي تقديره بل الذي هو قانت أفضل مما ذكر قبله.
وانتقد عليه هذا التقدير من حيث إن من تقدم ليس له فضيلة البتّة حتى يكون هذا أفضل منه والذي ينبغي أن يقدر: بَلِ الّذِي هُوَ قانتٌ من أصحاب الجنة لدلالة ما لِقَسِيمِهِ عليه من قوله: {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ}. وقال البغوي من شدَّدَ فله وجهان:
أحدهما: أن تكون الميم في "أم" صلة ويكون معنى الكلام استفهاماً وجوابه محذوف مجازه: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ كمن هو غير قانت كقوله:
{ { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الزمر:22] يعني كمن لم يشرح صَدْرَهُ.
والثاني: أنه عطف على الاستفهام مجازه: الذي جعل لِلَّهِ أندَاداً.
فصل
القانت: هو القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله عليه (الصلاة و) السلام:
"أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلاَةُ القُنُوت" وهو القائم فيها ومنه القُنُوت لأنه يدعو قائماً، وعن ابن عمر أنه قال: لاَ أعْلَمُ القنوتَ إلا قَرَاءَةَ القُرْآنِ وطولَ القيام وتلا: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ}. وعن ابن عباس: القنوت الطاعة كقوله: { { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [البقرة:116] أي مطيعون.
قوله: "آنَآءَ اللَّيْلِ" آناءَ منصوب على الظرف. وتقدم اشتقاقه، والكلام في مفرده، والمعنى ساعات الليل. وفي هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار، قال ابن عابس- في رواية عَطَاءٍ -: نَزَلَتْ في (أبي بكر الصدِّيقِ، وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر، وعن ابن عمر: أنها نزلت في عثمانَ وعن الكلبي: أنها نزلت في) ابْن مَسْعودٍ، وعَمَّارٍ وسَلْمَانَ.
قوله: "سَاجِداً" حال و"قائماً" حال أيضاً وفي صاحبها وجهان:
أظهرهما: أن الضمير المستتر (في) "وقانت".
والثاني: أنه الضمير المرفوع "بِيَحْذَرُ" قدماً على عاملهما، والعامة على نصبهما.
وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين، إما النعت "لِقَانِتٍ" وإما أنها خبرٌ بعد خبرٍ.
قوله: "يَحْذَرُ الآخِرَةَ" يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "قَانِت" وأن يكون حالاً من الضمير في "ساجداً" و"قائماً" وأن يكون مستأنفاً جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه ويكدّها؟ فقيل: يحذر الآخرة ويرجُو رحمة ربه، أي عذاب الآخرة. وفي الكلام حذف، والتقدير كمن لا يفعل شيئاً من ذلك، وإنمَّا حَسَّنَ هذا الحذف دلالةُ ذكر الكافر قبل هذه الآية وذكر بعدها {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} والتقدير: هل يستوي الذين يعملون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجداً وقائماً والذين لا يعلمون وهم الذين صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون لأنه تعالى وإن آتاهم آلة العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم فلهذا جعلهم الله كأنهم ليسوا أُولِي الأَلْبَابِ من حيث إنّهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم.
قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} قيل: الذين يعلمون "عمار" والذين لا يعملون أبو حُذَيْفَة المَخْزُوميّ، وهذا الكلام تنبيه على فضيلةِ العلم قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال (ثم نرى العلماء عند أبواب الملوك) ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنفعة فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما للعلم من المنافع فلا جَرَمَ تركوه.
(قوله): {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} قرىء: إنَّمَا يذكر بإدغام التاء في الذال.