التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً
١٣٦
-النساء

اللباب في علوم الكتاب

في اتَّصال هذه الآية بما قَبْلَها وَجْهَان:
أحدُهما: أنَّها مُتِّصِلةٌ بقوله:
{ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } [النساء: 135] لأن الإنْسان لا يكون قَائِماً بالقِسْط، إلا إذا كان راسخاً في الإيمان بالأشْيَاء المَذْكُورة في هَذِه الآيَة.
الثاني: أنه - تعالى - لمَّا بين الأحْكَام الكَثِيرة في هَذِه السُّورة، ذكر عَقِيبَهَا الأمر بالإيمانِ، وفي هذا الأمْر وُجُوه:
أحدُها: قال الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ: نزلت هذه الآيَة في عَبْد اللَّه ابن سلام، وأسد وأسَيْد ابْنَيْ كَعْب، وثَعْلَبَة بن قَيْس، وسلام ابن أُخْت عَبْد الله بن سلام، وسلَمة ابن أخِيه، ويامِين بن يَامِين، فَهُؤلاء مُؤمِنُو أهْل الكِتَاب أتوا رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنَّا نُؤمِنُ بك، وبِكتابِك، وبِمُوسى، [والتَّوْرَاة] وبِعُزَيْر، ونكفر بما سِوَاه من الكُتُب والرُّسُل، فقال لهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "بل آمِنُوا باللَّه، ورسُوله محمَّد، والقُرْآن، وبكل كِتَابٍ قَبْلَه" فقالوا: لا نَفْعَل، فأنزل اللَّه: {يا أيها الذين آمنوا} يعني: بمحمّد [والقُرآن] وبموسى والتَّوْرَاة، {آمنوا بالله ورسوله}: محمد {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ}: من التَّوْراة، والإنْجِيل، والزَّبُور، وسائر الكُتُب؛ لأن المراد بالكِتَاب الجنس.
وقيل: الخِطَاب مع المُنَافِقِين، والتَّقْدير: يأيُّهَا الذين آمَنُوا باللِّسان، آمنوا بالقَلْب، ويؤيده قوله - تعالى -:
{ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } [المائدة: 41].
وقيل: خِطَاب مع الَّذِين آمَنُوا وَجْه النَّهَار، وكَفَرُوا آخِره، والتقدير: يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا وجْه النَّهارِ، آمنوا آخِره.
وقيل: الخطاب للمُشْرِكين، تقديره: يأيُّها الذين آمَنُوا باللاَّتِ والعُزَّى، آمِنُوا.
وقيل: المعنى: يأيها الذين آمَنُوا، دُومُوا على الإيمان، واثْبُتُوا عليْه، أي: يأيُّها الذين آمَنُوا في المَاضِي والحَاضِر، آمِنُوا في المُسْتَقْبَل؛ كقوله:
{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [محمد: 19] مع أنه كان عَالِماً بذلك.
وقيل: المُراد بـ "الذين آمَنُوا": جميع النَّاس، وذلك يوم أخذ عَلَيْهم المِيثَاق.
وقيل: يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا على سبيل التَّقْلِيدِ، آمِنُوا على سبيل الاسْتِدْلاَل.
وقيل: يا أيها الَّذِين آمَنُوا بِحَسَب الاسْتِدْلاَلات الإجْمَاليَّةِ، آمِنُوا بحسَبِ الدَّلائل التَّفْصيليَّة.
وقرأ نافعُ والكوفيون: {والكتاب الَّذِي نزَّل على رَسُوله والكِتَاب الذي أنْزل من قبل} على بناء الفِعْليْن للفَاعِل، وهو الله - تعالى -، [وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو:] على بنائهما للمَفْعُول، والقائمُ مقامَ الفَاعِل ضَمِير الكِتَاب.
وحُجَّة الأوَّلِين: قوله - تعالى -:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ } [الحجر: 9]، وقوله { { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ } [النحل: 44]، وحجة الضم: قوله - تعالى -: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44]، وقوله: { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ [مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ] } [الأنعام: 114].
قال بعض العلماء: كلاهما حَسَن، إلا أن الضَّمَّ أفْخَمُ، كقوله:
{ وَقِيلَ يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ } [هود: 44].
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ [لِمَ] قال: {نَزَّل على رسُوله}، و{أَنزَلَ مِن قَبْل}؟.
قلت: "لأنَّ القرآن نَزَل مُنَجَّماً مفرَّقاً في عِشْرِين سَنَة، بخلاف الكُتُب قَبْله"، وقد تَقَدَّم البَحْث معه في ذَلِكَ، عند قوله - تعالى -:
{ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ } [آل عمران: 3] وأن التَّضْعِيف في "نزَّلَ" للتَّعْدِية، مرادفٌ للهَمْزَة لا للتَّكْثِير.
فصل
اعلم: أنه [تعالى] أمَرَ في هذه الآيَة بالإيمَانِ بأرْبَعة أشْيَاء:
أوّلها: بالله.
وثانيها: برسوله.
وثالثها: بالكتاب الذي نزَّل على رسُوله.
ورابعها: [بالكتاب الَّذِي أنْزَل من قَبْل. وذكر في الكُفْر أمُوراً خَمْسةً:
أولها: الكُفْر باللَّه.
وثانيها: الكُفْر بملائِكَتِهِ.
وثالثها: الكُفْر بكُتُبِه].
ورابعها: الكُفْر برسُله.
وخامسها: الكُفْر باليوم الآخر.
ثم قال: {فقد ضل ضلالاً بعيداً} وهاهنا سُؤالات:
السُّوال الأوَّل: لِمَ قدَّم في مراتب الإيمانِ ذكر الرَّسُول على ذكر الكِتَابِ، وفي مراتب الكُفْر قَلَب القضيَّة؟.
والجواب: لأن في مرتبة النُّزُول من الخَالِق إلى الخَلْق كان الكتاب مقدماً على الرسول، وفي مرتبه العُرُوج من الخَلْق إلى الخَالِقِ، يكُون الرَّسُول مُقَدَّماً على الكِتَاب.
السُّؤال الثَّاني: لِمَ ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله، وبالرسل، وبالكتب، وذكر في مَرَاتِب الكُفْر [أموراً خَمْسَة: الكُفْر] باللَّه، وبالملائكة، وبالرُّسُل، [وبالكُتُب]، وباليَوْم الآخِر؟.
والجواب: لأنَّ الإيمان [باللَّه و] بالرُّسُل، وبالكُتُب متى حَصَل، فقد حَصَل الإيمان بالملائِكَة، وباليوم الآخر لا مَحَالَة، إذ رُبَّما ادّعى الإنْسَان أنه يُؤمِن باللَّه، وبالرُّسُل، وبالكُتُب، ثم إنَّه يُنْكِرُ الملائكة، وينكر اليَوْم الآخر، ويزعم أنَّ الآيات الوَارِدَة في المَلائكة وفي اليوم الآخر، مَحْمُولَة على التَّأوِيل.
فلما احتمل هذا؛ لا جرم نصَّ على أن مُنْكِر المَلاَئِكَة، ومنكر اليَوْم الآخِر، كافرٌ باللَّه.
السؤال الثالث: كيف قِيلَ لأهلِ الكِتَاب: {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} مع أنهم كانوا مُؤمنين بالتوراة والإنجيل؟.
والجواب: ما تقدَّم من أن المراد بالكِتَاب: الجنس، فأمِرُوا أن يُؤمِنُوا بكل الكُتُب؛ لأنَّهم لم يُؤمِنُوا بكُلِّها؛ كما قالوا: نُؤمِنُ بِبَعْضٍ ونكْفُر ببعضٍ، وأما قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} ليس جواباً للأشياء المَذْكُورة، بل المعنى: ومنْ يكْفُرْ بواحدٍ مِنْهَا.