التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً
١٥٣
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
١٥٤
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٥٥
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً
١٥٦
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً
١٥٧
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
١٥٨
-النساء

اللباب في علوم الكتاب

وذلك أن كَعْبَ بنَ الأشْرَف، وفنحَاصَ بن عَازُورَاء من اليَهُودِ قالا لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إن كُنْتَ نَبِيّاً فأتِنَا بكِتَابٍ جُمْلةً من السَّماءِ؛ كما أتَى [به] مُوسى – عليه السلام -، فأنزل الله – تعالى -: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. وكان هذا السُّؤال مِنْهُم تَحَكُّماً واقْتِرَاحاً، لا سُؤال انْقِيَادٍ، واللَّه - تعالى - لا يُنَزِّل الآيَاتِ على اقْتِرَاحِ العِبَادِ، والمَقْصُود من الآيَةِ: بيان ما جَبِلوا عليه من التَّعنُّتِ؛ كأنه قِيلَ: إن مُوسَى لمَّا نزلَ عليه كِتَابٌ من السَّمَاءِ، لم يكْتَفُوا بِذلكَ القَدْر، بل طَلَبُوا مِنْهُ الرُّؤيَة على سَبِيلِ المُعَايَنَةِ، فكان طَلَبُ هؤلاءِ الكِتَاب لَيْس لأجْلِ الاسْتِرْشَادِ، بل لمَحْضِ العِنَادِ.
قوله: "فَقَدْ سَأَلُوا": في هذه الفاءِ قولان: أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطيَّة: "تقديره: فلا تبال، يا محمَّد، بسؤالِهِم، وتشطيطهم، فإنها عادُتُهمْ، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك.
والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدَّر، قاله الزمخشريُّ أي: إن استكْبَرْتَ ما سألوه منْكَ، فقد سَألُوا"، و"أكْبَرَ" صفةٌ لمحذوف، أي: سؤالاً أكْبَرَ من ذَلِكَ، والجمهور: "أكبرَ" بالباء الموحدة، والحسن "أكْثَرَ" بالثاء المثلثة.
ومعنى "أكْبَر" أي: أعْظَم من ذَلِك، يعني: السَّبْعِين الَّذِين خَرَجَ بِهِمْ [مُوسَى] إلى الجَبَلِ، {فقالُوا: أرِنا اللَّه جَهْرَةً } أي: عِياناً، فقولهم: "أرِنَا" جُمْلَة مفَسِّرة لِكبَرِ السُّؤال، وعِظَمِه. [و"جَهْرَةَ" تقدَّم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن تكون "جَهْرَةً" من صفةِ القوْلِ، أو السؤالِ، أو مِنْ صفةِ السائلين، أي: فقالوا مجاهِرِين، أو: سألوا مجاهرينَ، فيكونُ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، أو على المَصْدر، وقرأ الجمهور "الصَّاعِقَةُ". وقرأ النَّخَعِيُّ: "الصَّعْقَةُ" وقد تقدَّم تحقيقه في البقرة والباء في "بِظُلْمِهِمْ" سببيةٌ، وتتعلَّق بالأخْذ].
قوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} يعنى: إلهاً، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} وهي الصَّاعِقَة، وسمَّاها بَيِّنَاتٍ - وإن كَانَتْ شَيْئاً وَاحِداً؛ لأنها دالَّةٌ على قُدْرَة الله - تعالى -، وعلى عِلْمهِ وعلى قدمِهِ، وعلى كَوْنهِ مُخَالِفاً للأجْسَامِ والأعْرَاضِ، وعلى صِدْق مُوسَى. وقيل: "البَيِّنَات" إنْزَال الصَّاعِقَةِ وإحْيَاؤُهُم بعد إمَاتَتِهم. وقيل: المُعْجِزَاتُ التي أظْهَرَها لِفِرْعَوْن، وهي العَصَا، واليَدُ البَيْضَاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، وغيرها من المُعْجِزَات القاهرة.
ثم قال: {فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ} ولم نَسْتَأصِلْهُم. قيل: هذا اسْتِدْعَاءٌ إلى التَّوْبَة، مَعْنَاه: أن أولئك الَّذِين أجْرَمُوا تَابُوا، فَعَفَوْنَا عَنْهُم، فتُوبوا أنْتُم حتى نَعْفُوا عَنْكُم. وقيل: مَعْنَاه: أن قَوْم مُوسَى - وإن كَانُوا قَدْ بَالَغُوا في اللِّجَاجِ والعِنَادِ، لكنا نَصَرْنَاهُ وقَرَّبْنَاهُ فعَظم أمْرُه وضَعُفَ خَصْمُه، وفيه بِشَارَةٌ للرَّسُول – عليه الصلاة والسلام – على سبيلِ التَّنْبِيهِ والرَّمْزِ، وهو أنَّ هؤلاء الكُفارِ وإن كانوا يُعَانِدُونه – فإنَّه بالآخِرَة يَسْتَوْلي عَلَيْهم ويَقْهَرُهُم.
ثم قال [- تعالى -]: {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي: حُجَّة بَيِّنَة، وهي الآيات السَّبْع. قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} [في "فوقهم": وجهان: أظهرهما أنه متعلق بـ "رَفَعْنا"، وأجاز أبو البقاء وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و"بميثاقهم" متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا: وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: بنقض ميثاقهم]. [و] قال بَعْضُ المفَسِّرين: إنهم امْتَنَعُوا من قُبُول شَرِيعَة التَّوْرَاةِ، ورفع الله الجَبَل فَوْقَهُم حَتَّى قَبِلُوا، والمعنَى: ورفَعْنَا فَوْقَهُم الطُّورَ؛ لأجْلِ أن يُعْطُوا المِيثَاقَ بقُبُول الدِّين.
وقال الزمخشريُّ: "بِمِيثَاقِهِمْ: بسبب ميثاقهم؛ ليخافوا فلا ينقضُوه" وظاهر هذه العبارة: أنه لا يُحْتَاجُ إلى حذْفِ مضاف، بَلْ أقول: لا يجُوزُ تقدير هذا المضافِ؛ لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق، فرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عليهم؛ عقوبةً على فعلِهِمُ النقضَ، والقصةُ تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطُور، فخافُوا فلم يَنْقُضُوهُ، [وإن كانوا قد نَقَضُوه] بعد ذلك، وقد صَرَّحَ أبو البقاء بأنهم نقضوا الميثاقَ، وأنه تعالى رفع الطُّور عقوبةً لهم فقال: "تقديرُه: بنَقْضِ ميثاقِهِمْ، والمعنى: ورَفَعْنَا فوقَهُمُ الطُّور؛ تخْويفاً لَهُمْ بسبب نقْضِهِم الميثاق"، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم، ولقائلٍ أن يقول: لمَّا هَمُّوا بنقْضه وقاربوه، صحَّ أن يقال: رَفَعْنَا الطُّورَ فوقهم؛ لنقضهم الميثاق، أي: لمقاربتهم نقضَهُ، لأنَّ ما قارب الشيء أعْطِيَ حكمَه؛ فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً؛ كأبي البقاء وغيره.
وقال بَعْضُ المُفَسِّرين: إنَّهُم أعْطوا المِيثَاقَ على أنهم إن هَمُّوا بالرُّجُوع عن الدِّينِ، فاللَّهُ - تعالى - يُعَذِّبهم بأيِّ أنْواعِ العذابِ، أراد: فَلَمَّا هَمُّوا بَتَرْكِ الدِّينِ، أظَلَّ اللَّهُ الطُّورَ عَلَيْهِم. والميثاق مصدر مضاف لمفعوله، وقد تقدَّم في البقرة الكلام على قوله {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}، و"سُجَّداً" حالٌ من فاعل "ادْخُلُوا".
قوله: "لاَ تَعْدُوا" قرأ الجمهور: "تَعْدُوا" بسكون العين، وتخفيف الدال مِنْ عَدَا يَعْدُو، كَغَزَا يَغْزُو، والأصل: "تَعْدُوُوا" بواوين: الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلتِ الضمة على لام الكلمة، فحُذِفَتْ، فالتقى بِحَذْفِها ساكنان، فحُذِفَ الأوَّل، وهو الواو الأولى، وبقيتْ واو الفاعلين، فوزنه: تَفْعُوا ومعناه: لا تعْتَدُوا ولا تَظْلِمُوا باصْطِيَاد الحِيتانِ فيه.
قال الوَاحِدِي: يُقال: عَدَا عليه أشَدَّ العَدَاءِ [والعَدْو] والعُدْوَان، أي: ظَلَمَه، وجَاوَز الحَدَّ؛ ومنه قوله:
{ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [الأنعام: 108] وقيل: {لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} من العَدْوِ بمعْنَى الحُضْرِ، والمُرَادُ به النَّهْي عن العَمَل والكَسْبِ يَوْم السَّبْتِ؛ كأنه قِيل: اسْكُنُوا عَنِ العَمَلِ في هَذَا اليَوْم واقْعُدوا في مَنَازِلِكُم [فأنا الرَزَّاق]. وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع: فرَوَوْا عنه تارةً بسكون العين سكوناً محضاً، وتارةً إخفاء فتحة العين، فأما قراءة نافع، فأصلها: تَعْتَدُوا، ويدلُّ على ذلك إجماعُهُمْ على: { ٱعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ } [البقرة: 65] كونه من الاعتداء، وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد إدغامُ تاء الافتعال في الدالِ، فنُقِلتْ حركتُها إلى العين، وقُلبت دالاً وأدغمت. وهذه قراءةٌ واضحةٌ، وأما ما يُروَى عن قالون من السكُون المحْضِ، فشيءٌ لا يراه النحْويُّون؛ لأنه جَمْعٌ بين ساكنينِ على غير حَدِّهما، وأمَّا الاختلاسُ فهو قريب للإتيان بحركة ما، وإن كانت خفيَّةً، إلا أنَّ الفتحة ضعيفةٌ في نَفْسِهَا، فلا ينبغي أن تُخْفَى لِتُزادَ ضعفاً؛ ولذلك لم يُجز القراءُ رَوْمَهَا وقْفاً لضعفِها، وقرأ الأعمش: "تَعْتَدُوا" بالأصل الذي أدغَمُه نافع.
ثم قال {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} قال القفال: المِيثَاقُ الغَلِيظُ: هو العَهْدُ المؤكَّدُ غَايَة التَّوْكِيدِ.
قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ}: في "مَا" هذه وجهان:
أحدهما: أنها زائدةٌ بين الجارِّ ومجروره تأكيداً.
والثاني: أنها نكرة تامَّة، و"نَقْضِهِمْ" بدلٌ منه، وهذا كما تقدَّم في [قوله]
{ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } [آل عمران: 159]. و"نَقْضِ" مصدرٌ مضاف لفاعله، و"مِيثَاقَهُمْ" مفعوله، وفي متعلَّق الباءِ الجارةِ لـ "مَا" هذه وجهان:
أحدهما: أنه "حَرَّمْنَا" المتأخِّر في قوله:
{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } [النساء: 160] وعلى هذا، فيقال: "فَبِظُلْمٍ" متعلِّق بـ "حَرَّمْنَا" أيضاً، فيلزم أن يتعلق حرفاً جَرٍّ متحدانِ لفظاً ومعنًى بعاملٍ واحدٍ؛ وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل، وأجابوا عنه بأن قوله "فَبِظُلْمٍ" بدل من قوله "فبمَا" بإعادة العامل، فيقال: لو كان بدلاً لما دخلَتْ عليه فاءُ العطف؛ لأن البدل تابعٌ بنفسه من غير توسُّطِ حرفِ عطفٍ، وأُجيبَ عنه بأنه لمَّا طالَ الكلام بين البدل والمبدلِ منه، أعادَ الفاءَ للطُّولِ، ذكر ذلك أبو البقاء والزَّجَّاج والزمخشريُّ وأبو بَكْرٍ وغيرهم.
ورَدَّه أبو حيان بما معناه أنَّ ذلك لا يجوز لطُول الفصْل بين المبدَلِ والبدل، وبأنَّ المعطوفَ على السببِ سببٌ، فيلزمُ تأخُّرُ بعضِ أجزاءِ السبب الذي للتحريم في الوقتِ عن وقت التحريم؛ فلا يمكنُ أن يكون سبباً أو جزء سببٍ إلا بتأويلٍ بعيدٍ، وذلك أن قولهم: {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلمَسِيحَ} وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحْريم الطيبات، قال: "فالأوْلَى أن يكونَ التقدير: لَعَنَّاهُمْ، وقد جاء مصرَّحاً به في قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم".
والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره ابنُ عطيَّة: لعنَّاهُمْ وأذْلَلْنَاهُمْ وختمنا على قلُوبهم، قال: "وحَذْفُ جواب مثْلِ هذا الكلام بليغٌ"، وتسميةُ مثل هذا "جَوَاب" غيرُ معروف لغةً وصناعةً، وقدَّره أبو البقاء: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ طُبعَ على قُلُوبِهِمْ، أوْ لُعِنُوا، وقيل: تقديرُه: فبما نقضهِمْ لا يُؤمِنُونَ، والفاءُ زائدةٌ". [أي: في قوله تعالى {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}]. انتهى. وهذا الذي أجازه أبو البقاء تَعَرَّضَ له الزمخشريُّ، وردَّه، فقال: "فإن قلْتَ: فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ المحذوفَ الذي تعلَّقَتْ به الباء ما دَلَّ عليه قوله "بَلْ طَبَعَ اللَّهُ، فيكون التقديرُ: فبمَا نقضِهِمْ طَبَعَ اللَّهُ على قُلُوبِهِمْ، بل طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكُفْرهِمْ قلت: لم يصحَّ لأن قوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} ردٌّ وإنكارٌ لقولهم: "قُلوبُنَا غُلْفٌ"، "فكانَ متعلِّقاً به"، قال أبو حيان: "وهو جوابٌ حسنٌ، ويمتنعُ من وجهٍ آخر، وهو أنَّ العطفَ بـ "بَلْ" للإضرابِ، والإضرابُ إبطالٌ، أو انتقالٌ، وفي كتاب الله في الإخبار لا يكون إلا للانتقالِ، ويُسْتفادُ من الجملةِ الثانية ما لا يُسْتفاد من الأولى، والذي قَدَّره الزمخشريُّ لا يَسُوغُ فيه الذي قرَّرناه؛ لأنَّ قوله: فَبِمَا نَقْضِهِم ميثَاقَهُمْ وَكُفْرهِمْ بآياتِ الله وقوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا هو مدلولُ الجمْلة التي صَحبتها "بَلْ"، فأفادت الثانِيَة ما أفَادَتِ الأولَى، ولو قُلْت: مرَّ زَيْد بِعَمْرو، بل مَرَّ زَيْدٍ بعمرٍو، لم يَجُزْ". وقَدَّرَهُ الزمَخْشَرِي: فَعَلْنَا بِهِم ما فَعَلْنَا، وتقدَّم الكَلاَم على الكُفْرِ بآيَاتِ اللَّهِ، وقَتْلِهِم الأنْبِيَاءَ بغَيْرِ حَقٍّ في البَقَرة.
وأمَّا قولُهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع غِلاَفٍ، والأصل "غُلُفٌ" بتحريك اللاَّم، وخُفِّفَ كما قِيلَ بالتَّسْكِين؛ ككُتْب وَرُسْل بتَسْكِين التاءِ والسِّين والمَعْنَى على هذا: أنهم قالوا: قُلُوبُنَا غُلْف، أي: أوْعِيَةٌ للعِلْمِ، فلا حَاجَة بِنَا إلى عِلْمٍ سِوَى ما عِنْدَنَا، فكَذَّبُوا الأنْبِيَاء بهَذَا القَوْلِ.
وقيل: إن غُلْفاً جَمْع أغْلَف وهو المغَطَّى بالغلافِ، أي: بالغِطَاءِ، والمَعْنَى على هذا: أنَّهمُ قالُوا: قُلُوبُنَا في أغْطِيَةٍ، [فَهي] لا تَفْقَهُ ما تَقُولُون؛ نظيره قولُهُم:
{ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [فصلت: 5].
قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا} هذا إضرابٌ عن الكلام المتقدِّم، أي: ليس الأمرُ كما قالوا من قولهم: "قُلُوبُنَا غُلْفٌ"، وأظهرَ القرَّاءُ لامَ بَلْ في "طَبَعَ" إلا الكسائي، فأدغم من غيرِ خلاف، وعن حمزة خلاف، والباء في "بِكُفرهِمْ" يُحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة؛ كالباء في "طَبَعْتُ بالطِّينِ على الْكِيسِ" يعني أنه جعل الكُفْر كالشيء المطْبُوع به، أي: مُغَطِّياً عليها، فيكونُ كالطابع، وقوله: "إِلاَّ قَلِيلاً" يحتملُ النصبَ على نعت مصدر محذوف، أي: إلا إيماناً قليلاً وهو إيمانُهُم بمُوسَى والتَّوراة فقط، وقد تقدم أن الإيمَانَ بالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرٌ، ويُحْتَمل كَوْنُه نَعْتاً لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أي: زَمَاناً قَلِيلاً، ولا يجُوزُ أن يكُون مَنْصُوباً على الاسْتِثْنَاءِ من فَاعِل "يؤمنُونَ" أي: إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُم فإنَّهُم يُؤمِنُون؛ لأنَّ الضَّمِير في "لاَ يُؤمِنُونَ" عائدٌ على المَطْبُوعِ على قُلُوبهم، ومن طُبعَ على قَلْبِه بالكُفْرِ، فلا يَقَعُ مِنْهُ الإيمانُ.
[والجواب أنَّه مِنْ إسنادِ مَا للبعض للكُلِّ، أي: في قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فتأمّل].
وقال البغوي: "إِلاَّ قَلِيلاً" يعني: ممَّن كَذَّب الرُّسُل [لا] من طُبِعَ على قَلْبِهِ؛ لأنَّ من طَبَعَ الله على قَلْبِه، لا يُؤمِنُ أبَداً، وأرَادَ بالقَلِيلِ: عَبْد الله بن سَلاَم وأصْحَابه.
قوله: "وبكُفْرهِمْ": فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوفٌ على "مَا" في قوله: "فَبِمَا نَقضهِمْ" فيكونُ متعلِّقاً بما تعلَّق به الأول.
الثاني: أنه عطفٌ على "بِكُفرِهِمْ" الذي بعد "طَبَعَ"، وقد أوضح الزمخشريُّ ذلك غايةَ الإيضاح، واعترضَ وأجابَ بأحسنِ جواب، فقال:"فإنْ قلْتَ: علامَ عَطَفَ قوله "وَبكُفْرِهِمْ"؟ قلتُ: الوجهُ أن يُعْطَفَ على "فَبِمَا نَقْضِهمْ"، ويُجْعَلَ قولُه: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} كلاماً يَتْبَع قوله: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} على وجه الاستطراد، ويجوزُ عطفه على ما يليه من قوله "بِكُفْرِهِمْ"، فإن قلت: فما معنى المجيءِ بالكُفْر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُهُ؟ سواءٌ عطف على ما قبل الإضْراب، أو على ما بعده، وهو قوله: {وَكُفْرِهِمْ بآيَاتِ الله}، وقوله "بِكُفْرِهمْ"؟ قُلْتُ: قد تكرر منهم الكُفْر؛ لأنهم كفروا بموسَى، ثم بعيسى، ثم بمحمدٍ، فعطف بعض كُفْرِهِمْ على بعض، أو عَطَفَ مجموعَ المعطوفِ على مجموعِ المعطوف عليه؛ كأنه قيل: فبجمْعِهِمْ بين نقضِ الميثاقِ، والكُفْرِ بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولهم: قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وجمعهم بين كفرِهمْ وبَهْتِهِمْ مريم وافتخارهم بقتلِ عيسى؛ عاقبناهم، أو بلْ طَبَع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم كذا وكذا".
قوله: [{وَبِكُفْرِهِمْ وَقولِهِمْ عَلَى مَرْيم}] "بُهْتَاناً [عظيماً]" في نصب ["بُهْتَاناً"] خمسةُ أوجه:
أظهرُها: أنه مفعولٌ به؛ فإنه مُضَمَّنٌ معنى "كَلاَم"؛ نحو: قُلْتُ خُطْبَةٌ وشِعْراً.
الثاني: أنه منصوبٌ على نوع المصدر، كقولهم: "قَعَدَ القُرْفُصَاءَ" يعني: أن القول يكون بُهتاناً وغير بهتان.
الثالث: أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف، أي: قولاً بُهْتَاناً، وهو قريبٌ من معنى الأول.
الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أي: بَهَتُوا بُهْتَاناً.
الخامس: أنه حال من الضميرِ المجْرور في قولهم، أي: مُبَاهِتينَ، وجازَ مجيءُ الحال من المضاف إليه؛ لأنه فاعلٌ معنًى، والتقديرُ: وبأن قالوا ذلك مباهتين.
فصل في المقصود بالبهتان
والمراد بالبُهْتَانِ: أنَّهُم رموا مَرْيَم بالزِّنَا، لأنَّهم أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - على خَلْقِ الوَلَدِ من غير أبٍ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ الله على ذلك كَافِرٌ؛ لأنه يَلْزَمُ أن يقُول: كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقٍ بوَالِدٍ لا إلى أوَّل، وذَلِك يُوجِبُ القَوْل بِقِدَم العَالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحُ في وجُود الصَّانِعِ المُخْتَار، فالقَوْمُ أولاً أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - علَى خَلْقِ الوَلَدِ من غَيْر أبٍ، وثانياً: نَسَبُوا مَرْيَم إلى الزِّنَا.
فالمراد بقوله: "وَبِكُفْرِهِم" هو إنْكَارُهُم قُدْرَة الله - تعالى -، وبقوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} نِسْبَتُهُم إيّاهَا إلى الزِّنَا، ولمَّا حَصَل التغَيُّر حسن العَطْف، وإنما صار هذا الطَّعْنُ بُهْتاناً عَظِيماً؛ لأنه ظَهَر عند ولادَةَ عِيسَى - عليه السلام - [من] الكَرَامَاتِ والمُعْجِزَاتِ، ما دَلَّ على بَرَاءَتِها من كُلِّ عَيْبٍ، نحو قوله:
{ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا } [مريم: 25] وكلام عيسى – [عليه السلام] – طفْلاً مُنْفصِلاً عن أمِّهِ، فإنَّ كُلَّ ذلك دَلاَئِل قاطِعَةٌ على بَراءة مَرْيَم - [عليها السلام] - من كل رِيبَةٍ، فلا جَرَم وَصَف اللَّهُ - [تعالى] - [طَعْنَ] اليهُود فيها بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
واعلم أنَّه لما وَصَفَ طَعْن اليَهُود في مَرْيم بأنَّه بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، ووصَفَ طَعْن المُنَافِقِين في عَائِشَةَ بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ قال:
{ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [النور: 16]؛ دلَّ ذلك على أنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِين يَطْعَنُون في عَائِشَةَ، بمَنْزِلَة اليَهُودِ الَّذِين يَطْعَنُون في مَرْيم – عليها السلام -.
قوله: "وَقَوْلُهُم" عَطْف على "وَكُفْرِهِم"، وكُسِرت "إنَّ" لأنَّها مُبْتَدأ بعد القَوْلِ وفَتْحهَا لُغَة.
و"عِيسَى" بدلٌ من "المَسِيح"، أو عطفُ بيان، وكذلك "ابن مَرْيَم"، ويجوز أن يكونَ صفةً أيضاً، وأجاز أبو البقاء في "رَسُول الله" هذه الأوجه الثلاثة، إلا أنَّ البدل بالمشتقات قليلٌ، وقد يُقال: إنَّ "رَسُول الله" جرَى مَجْرَى الجوامدِ، وأجاز فيه أن يَنْتصبَ بإضمار "أعني"، ولا حاجةَ إليه. قوله "شُبِّهَ لَهُمْ": "شُبِّهَ" مبني للمفعول، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مسند للجارِّ بعده؛ كقولك: "خُيِّلَ إليه، ولُبِّسَ علَيْهِ" [كأنَّه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه].
والثاني: أنه مسندٌ لضمير المقْتُول الَّذِي دَلَّ عليه قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا" أي: ولكن شُبِّه لهم من قتلُوه، فإن قيل: لِمَ لا يَجُوز أن يعودَ على المسيحِ؟ فالجوابُ: أن المسيحَ مشبَّه به [لا مشبَّه].
فصل
وهذا القَوْل مِنْهُم يَدُلُّ على كُفْرٍ عَظِيمٍ مِنْهُم؛ لأن قَولَهُم، فَعَلْنَا ذَلِك، يدل على رَغْبَتِهِم في قَتْلِهِ [بجدٍّ واجْتِهَادٍ]، وهذا القَدْرُ كُفْر عَظِيمٌ.
فإن قِيلَ: اليَهُود كَانُوا كَافِرِين بِعيسَى – عليه السلام – أعداء لَهُ، عَامِدِين لِقَتْلِه، يسَمُّونَهُ السَّاحِرَ ابن السَّاحِرَة؛ والفاعِل ابْنَ الفاعِلة، فكيف قَالُوا: إنّا قَتلْنَا المَسيح [عيسى] ابن مَرْيَم رسُول الله؟.
فالجوابُ من وَجْهَيْن:
الأول: أنهم قَالُوهُ على وَجْه الاسْتِهْزَاءِ؛ كقول فِرْعَوْن:
{ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [الشعراء: 27] وقول كُفَّار قُرَيْش لمحمد - عليه السلام -: { { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [الحجر: 6].
الثاني: أنه يجُوزُ أن يَضَعَ الله الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكَانَ ذِكْرِهم القَبِيح في الحِكَايَةِ عَنْهُم؛ رفعاً لعِيسى ابن مَرْيَمِ - عليه السلام - عمَّا كَانُوا يَذْكُرُونَه به.
ثم قال - تعالى -: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}.
واعلم أن اليَهُودَ لمَّا زعموا أنَّهُم قتلوا المسيحَ، كذَّبَهم الله في هَذِه الدَّعْوَى، فقال... الآية.
فإن قيل: إذا جَازَ أن يُلقي الله - تعالى - شِبْه إنْسَانٍ على إنْسَانٍ آخر، فهذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَة، فإذا رَأيْنَا زَيْداً فَلَعَلَّهُ لَيْس بِزَيْدٍ، ولَكِنَّه ألْقَى شِبْهَ زيْد عليه، وعِنْد ذلك لا يَبْقَى الطَّلاقُ والنِّكَاحُ والمِلْكُ مَوْثُوقاً بِهِ، وأيضاً يُفْضِي إلى القَدْحِ في التَّوَاتُرِ؛ لأن خَبَر التَّواتُر إنَّما يُفِيد العِلْمَ بِشَرطِ انْتِهائِهِ إلى المَحْسُوسِ، فإذا جَوَّزْنَا حُصُول مِثْل هَذَا الشِّبْهِ في المَحْسُوسَاتِ، يُوَجَّهُ الطَّعْن في التَّوَاترُ، وذلكِ يُوجِبُ القَدْح في جَمِيع الشَّرَائع، ولَيْسَ لمُجِيبٍ أن يُجِيبَ عَنْهُ؛ بأن ذَلِك مُخْتَصٌّ بزمان الأنْبِياء – [عليهم الصلاة والسلام] -؛ لأنا نَقُول: لو صَحَّ ما ذَكَرْتُم، فذلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بالدَّليلِ والبُرْهَانِ، فمن لَمْ يَعْلَمْ ذلك الدَّلِيلَ وذلِك البُرْهَان، وجَبَ ألاَّ يَقْطَع بِشَيءٍ من المَحْسُوسَاتٍ، فَتوَجَّه الطَّعْن في التَّوَاتُر، ووَجَبَ ألاَّ يُعْتَمدُ على شَيءٍ مِنَ الأخْبَارِ المُتَوَاتِرَة.
وأيضاً: ففي زَمانِنا إن انْسَدَّتِ المُعْجِزَات، فطَريقُ الكَرَامَاتِ مَفْتُوحٌ، وحينئذٍ يعُود الاحْتِمَال المَذْكُور في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وبالجُمْلَة فَفَتْحُ هذا الباب يُوجِبُ الطَّعْنَ في التَّواتُر، والطَّعْنُ في التَّوَاتُرِ يوجب الطَّعْنَ في نُبُوَّة [جميع] الأنْبِياء - عليهم الصلاة والسلام -، وإذَا كان هذا يُوجِبُ الطَّعْنَ في الأصُولِ، كان مَرْدُوداً.
فالجوابُ: قال كَثِيرٌ من المتَكَلِّمين: إن اليَهُود لمَّا قَصَدُوا قَتْلَه، رفَعَهُ الله إلى السَّمَاءِ، فخَافَ رُؤسَاءُ اليَهُودِ من وُقُوعِ الفِتْنَةِ بَيْن عَوامِّهِم، فأخَذُوا إنْسَاناً وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وألْبَسُوا على النَّاسِ أنَّه هُوَ المَسِيحُ، والنَّاسُ ما كَانُوا يَعْرِفُون المسيح إلا بالاسْمِ؛ لأنه كَانَ قَلِيلَ المُخَالطَةِ للنَّاسِ، وإذا كان اليَهُود هُم الَّذِين ألْبَسُوا على النَّاسِ، زال السُّؤالُ، ولا يُقالُ: إن النَّصَارى يَنْقُلُون عن أسْلافِهِم أنهم شَاهَدُوهُ مَقْتُولاً؛ لأن تَوَاتُرَ النَّصَارى يَنْتَهِي إلى أقْوَام قَلِيلين، لا يبْعُد اتِّفَاقُهُم على الكَذِب، وقيل غَيْر ذلِكَ، وقد تقدَّم بَقِيَّة الكلام على الأسئِلَة الوارِدَة هُنَا عِنْد قوله:
{ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } في سورة آل عمران [الآية: 55].
ثم قال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} هذا الاختلافُ فيه قولان:
الأول: أنَّهم هم النصَارى كُلُّهُم مُتَّفِقُون على أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ، إلا أنهم ثلاث فِرقٍ: نَسْطُورِيَّة، ومَلْكَانِية، ويعقوبية:
فالنَّسْطُوريَّة: زعموا أن المَسِيحَ صُلِبَ من جِهَةِ ناسُوتهِ، لا مِنْ جهة لاهُوتِه، وهو قَوْل أكْثَر الحُكَمَاء؛ لأن الإنْسَان لَيْس عِبَارَةٌ عن هذا الهَيْكَل، بل هُوَ إمَّا جِسْمٌ شَرِيفٌ في هذا البَدَنِ، وإمَّا جَوْهَرٌ رَوْحَانِيٌّ مُجَرَّدٌ في ذاتِهِ، وهُو مُدَبِّر لهَذَا البَدَن، والقَتْلُ إنَّما وَرَدَ هلى هذا الهَيْكَل، وأمَّا حَقيقَةُ نَفْس عِيسَى، فالقَتْلُ ما وَرَدَ عَليْهَا، ولا يُقَال: كُلُّ إنْسَانٍ كَذَلِك، فما وَجْه هَذَا التَّخْصِيص؟ لأنَّا نَقُول إن نَفْسَه كَانَت قُدِسيَّةً عُلْوِيَّة سَمَاوِيَّة، شديدة الإشْرَاقِ بالأنْوَارِ الإلهِيَّة، وإذا كانت كَذَلِكَ، لَمْ يَعْظُم تَألُّمُهَا بِسَبَبِ القَتْلِ وتَخْرِيب البدن، ثم إنَّها بعد الانْفِصَالِ عن ظُلْمَةِ البَدَنِ، تَتَخَلَّصُ إلى فُسْحَة السَّمواتِ وأنوار عَالَم الجلالِ، فَتَعْظُم بَهْجَتُهَا وسَعَادَتُها هُنَاكَ، وهذه الأحْوَال غَيْرُ حَاصِلةٍ لكُلِّ النَّاسِ، وإنما حَصَلَت لأشْخَاصٍ قَلِيلِين من مَبْدَإ خَلْق آدَمَ إلى قِيَامِ القِيَامَةِ، فهذا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ.
وأما الملْكَانِيَّة فَقَالُوا: القَتْل والصَّلْبُ وصَلاَ إلى اللاَّهُوت بالإحْسَاسِ والشُّعُور، لا بالمُبَاشَرَةِ.
وقالت اليعقوبية: القَتْلَ والصَّلْبُ وقعا بالمسيح الذي هو جَوْهرٌ مُتَوَلِّدٌ من جَوْهَرَيْن.
فهذا شرح مَذَاهِب النَّصَارَى في هذا البَابِ، وهو المُرَاد من قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ}.
والمنزل الثاني: أن المُراد بـ "الَّذِين اخْتَلَفُوا فِيه" اليَهُود، وفيه وجهان:
الأوَّل: أنهم لمَّا قَتَلُوا الشَّخْص المُشَبَّه به، كان المُشَبَّهُ قد ألْقِي على وَجْهِه، ولم يُلْقَ على جَسَدِهِ شِبْه جَسَد عِيسَى، فلما قَتَلُوه ونَظَرُوا إلى بَدَنِهِ، قالوا: الوجْهُ وجْهُ عِيسَى والجَسَدُ جسد غَيْرِه.
والثاني: قال السُّدِّي: إن اليَهُود حَبَسُوا عِيسى - عليه السلام - مع عَشَرَةٍ من الحَوَارِيِّين في بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْه رَجُلٌ من اليَهُودِ ليُخْرِجَهُ ويَقْتلهُ، فألقى الله شِبْه عِيسَى - عليه السلام - على ذَلِك الرَّجُلِ، ورَفَع عيسى إلى السَّماء، فأخذوا ذلك الرَّجُلَ فَقَتَلُوهُ على أنَّه عيسى - عليه السلام -، ثم قالوا [إن كان هذا عِيسَى فأيْن صَاحِبُنَا، وإن كان صَاحِبُنَا فأيْن عيسى]، فَذَلِكَ اخْتِلافُهُم فِيه.
قوله: {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ}: "مِنْهُ" في محلِّ جرِ صفة لـ "شَكٍّ" يتعلَّقُ بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلَّق فَضْلةٌ بنفس "شَكٍّ"؛ لأن الشكَّ إنما يتعدَّى بـ "في" لا بـ "مِنْ"، ولا يقال: إنَّ "مِنْ" بمعنى "في"؛ فإن ذلك قولٌ مرجوحٌ، ولا ضرورة لنا به هنا.
وقوله: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} يجوز في "مِنْ علمٍ" وجهان:
أحدهما: أنه مرفوع بالفاعليَّة، والعاملُ أحد الجارَّيْنِ: إمَّا "لَهُمْ" وإما "به"، وإذا جُعِلَ أحدُهما رافعاً له، تعلَّق الآخرُ بما تعلَّق به الرافِعُ من الاستقرار المقدَّر، و"مِنْ" زائدةٌ لوجودِ شرطي الزيادة.
والوجه الثاني: أن يكون "مِنْ علْمٍ" مبتدأ زيدت فيه "مِنْ" أيضاً وفي الخبر احتمالان:
أحدهما: أن يكونَ "لَهُم" فيكون: "به": إمَّا حالاً من الضمير المستكنِّ في الخبر، والعاملُ فيها الاستقرارُ المقدَّر، وإمَّا حالاً من "عِلْمٍ"، وإنْ كان نكرةً؛ لتقدُّمها عليه، ولاعتمادِه على نَفْي، فإن قيل: يلزمُ تقدُّمُ حالِ المجرورِ بالحرفِ عليه، وهو ضرورةٌ، لا يجوزُ في سَعة الكَلاَم.
فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم ذلك، بل نقل أبو البقاء وغيره؛ أنَّ مذْهَب أكثر البصريين جوازُ ذلك، ولئِنْ سلَّمْنَا أنه لا يجوز إلا ضرورةً، لكن المجرور هنا مجرورٌ بحرف جرٍّ زائدٍ، والزائدُ في حكْم المُطَّرَح، وأمَّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ على سبيل البيانِ، أي: أعْني به، ذكره أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، ولا يجوزُ أن يتعلق بنفس "عِلْم"؛ لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه.
والاحتمال الثاني: أن يكون "به" هو الخبر، و"لَهُمْ" متعلق بالاستقرار؛ كما تقدم، ويجوز أن تكون اللام مبيِّنةً مخصَّصة كالتي في قوله:
{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 4]. وهذه الجملةُ المنفية تحتمل ثلاثة أوجه: الجرّ على أنها صفةٌ ثانية لـ "شَكٍّ" أي: غير معلوم.
الثاني: النصب على الحال من "شَكٍّ"، وجازَ ذلك، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِه بالوصف بقوله "مِنْه".
الثالث: الاستئنافُ، ذكره أبو البقاء، وهو بعيدٌ.
قوله: {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} في هذا الاستثناء قولان:
أصحهما: ولم يذكر الجمهورُ غيره: أنه منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، [قال شهاب الدين:]، ولم يُقْرأ فيما علمتُ إلا بنصبِ "اتِّباع" على أصل الاستثناء المنقطِعِ، وهي لغةُ الحجاز، ويجوزُ في تميم الإبدالُ من "عِلْم" لفظاً، فيجرُّ، أو على الموضع، فيُرفَعُ؛ لأنه مرفوع المحلِّ؛ كما قدَّمته لك، و"مِنْ" زائدةٌ فيه.
والثاني - قال ابن عطية -: أنه متصِلٌ، قال: "إذ العلْمُ والظنُّ يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز: "عِلْمِي في هذا الأمْرِ كَذَا" إنما يريدُ ظَنِّي" انتهى، وهذا غيرُ موافقٍ عليه؛ لأن الظنَّ ما ترجَّحَ فيه أحد الطرفَيْن، واليقينُ ما جُزِم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم فاتباعُ الظنِّ ليس من جنس العلم، بل هو غيره، فهو منقطع أيضاً، أي: ولكنَّ اتباع الظنِّ حاصلٌ لهم.
ويُمْكِنُ أن يُجَابَ شهاب الدِّين عما رَدَّ به عَلَى ابن عَطِيَّة: بأن العِلْمَ قد يُطْلَقُ على الظَّنِّ، فيكون من جِنْسِهِ؛ كقوله - تعالى -
{ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ } } [البقرة: 46] وأراد: يَعْلَمُون، وقوله: { { حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } [يوسف: 110] أي: تَيَقَّنُوا، وقوله: { وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا } [الكهف: 53] وإذا كان يَصِحُّ إطلاقُهُ عليه، صار الاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلاً.
فصل في دفع شبهة لمنكري القياس
احتَجَّ نُفَاةُ القِيَاسِ بهذه الآيَةِ، وقالوا: العَمَلُ بالقياسِ من اتِّبَاع الظَّنِّ، وهو مَذْمُومٌ؛ لأن الله - تعالى - ذكر اتِّبَاعَ الظَّنِّ في مَعْرِضِ الذَّمِّ هَهُنَا، وذَمَّ الكُفَّار في سُورَةِ الأنْعَامِ بقوله:
{ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [الأنعام: 116] وقال: { إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً } [يونس: 36] فدَلَّ ذلك على أنَّ اتِّبَاع الظَّنِّ مَذْمُومٌ.
والجوابُ: لا نُسَلِّمُ أن العَمَلَ بالقِيَاسِ [من اتِّبَاع الظَّنِّ؛ فإن الدَّلِيلَ القَاطِعَ لمَّا دَلَّ على العَمَلِ بالقِيَاسِ]، كان الحُكْمُ المُسْتَفَاد من القِياسِ مَعْلُوماً لا مَظْنُوناً.
قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} الضمير في "قَتَلُوهُ" فيه أقوال:
أظهرها: أنه لـ "عيسى"، وعليه جمهور المفسرين.
والثاني - وبه قال ابن قتيبة والفراء -: أنه يعودُ على العلم، أي: ما قتلوا العلم يقيناً، على حدِّ قولهم: "قَتَلْتُ العِلْمَ والرأي يقييناً" و "قَتَلتهُ عِلْماً"، ووجْه المجاز فيه: أن القتلَ للشيء يكون عن قَهْرٍ واستعلاءٍ؛ فكأنه قيل: وما كان علْمُهُم علْماً أُحيطَ به، إنما كان عن ظن وتخمين.
الثالث – وبه قال ابن عباس والسُّدِّيُّ وطائفة كبيرة -: أنه يعود للظنِّ تقول: "قَتَلْتُ هَذَا عِلْماً وَيَقِيناً"، أي: تحقَّقت، فكأنه قيل: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم وما تحقَّقوه يقيناً، ولا قطعوا الظنَّ باليقين.
قوله: "يَقيناً" فيه خمسة أوجه:
أحدها: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقيناً.
الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله؛ كما تقدم مجازه؛ لأنه في معناه، أي: وما تيقَّنوه يقيناً.
الثالث: أنه حال من فاعل "قَتَلُوهُ"، أي: وما قتلوه متيقنين لقتله.
الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ من لفظه حُذِفَ للدلالة عليه، أي: ما تيقَّنوه يقيناً، ويكون مؤكِّداً لمضمون الجملةِ المنفيَّة قبله، وقدَّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتاً، فقال: "تقديره: تيقَّنوا ذلك يَقِيناً"، وفيه نظر.
الخامس – ويُنْقَل عن أبي بَكْر بن الأنباريِّ -: أنه منصوبٌ بما بعد "بَلْ" من قوله: "رَفَعَهُ الله"، وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، أي: بَلْ رفعه الله إليه يقيناً، وهذا قد نَصَّ الخليلُ، فمَنْ دونه على منعه، أي: أن "بَلْ" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ فينبغي ألا يَصِحَّ عنه، وقوله: {بَلْ رفَعَهُ الله إِلَيْهِ} رَدٌّ لما ادَّعَوْهُ مِنْ قتله وصلبه، والضمير في "إلَيْه" عائدٌ على "الله" على حَذْفِ مضاف، أي: إلى أسمائه ومحلِّ أمره ونهيه.
فصل: إثبات المشبهة للجهة ودفع ذلك
احتَجَّ المُشَبِّهَةُ بقوله – تعالى -: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} في إثْبَات الجِهَةِ.
والجوابُ: أن المُراد الرَّفْعُ إلى موضعٍ لا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ غير الله - تعالى -؛ كقوله تعالى
{ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } [آل عمران: 109] وقوله - تعالى -: { { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [النساء: 100]، وكانت الهِجْرَة في ذلك الوَقْت، إلى المَدِينَةِ. وقال إبراهيمُ: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي } [الصافات: 99].
فصل: دلالة الآية على رفع عيسى عليه السلام
دلت [هذه] الآيةُ على رفع عيسى - عليه السلام - إلى السَّمَاءِ، وكذلك قوله:
{ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [آل عمران: 55].
ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}، والمراد بالعِزَّة: كَمَال القُدْرَة، ومن الحِكْمَة: كمال العلم، نَبَّه بهذا على أنَّ رَفْعَ عيسى - عليه السلام - إلى السَّموات وإن [كَانَ] كالمتَعَذِّر على البَشَرِ، لَكِنَّه لا بُدَّ فيه من النِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي؛ كقوله - تعالى -:
{ سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [الإسراء: 1] فإنّ الإسْرَاء وإن كان مُتَعذِّراً بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَة مُحَمَّدٍ، إلا أنَّه سهل بالنسْبَة إلى قُدْرة الله - تعالى -.