التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
٦٦
وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً
٦٧
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٦٨
-النساء

اللباب في علوم الكتاب

هذه الآيةِ مُتَّصِلَة بما تقدَّم من المُنَافِقِين، وترغيب لَهُم في تَرْكِ النِّفَاقِ، والمَعْنَى: أنَّا لو شَدَّدْنا التكلِيف على النَّاسِ؛ نحو أن نأمُرَهُم بالقَتْلِ، والخُرُوج عن الأوْطَانِ، لَصَعُبَ ذلك عليهم ولما فَعَلَهُ إلا قَلِيلٌ، وحينئذٍ يظهر كُفْرُهُم، فلم نَفْعَلْ ذلك رَحْمَةً مِنَّا على عِبَادِنا، بل اكْتَفَيْنَا بتكْلِيفِهِم في الأمُور السَّهْلَة، فَلْيَقْبَلُوهَا ولْيَترُكُوا التَّمرُّد.
نزلت في ثَابت بن قَيْس بن شِمَاس، نَاظَر يهُودِيَّا. فقال اليَهُودِيّ: إن مُوسَى أمَرَنا بقَتْلِ أنْفُسِنَا فَفَعَلْنَا ذَلِك، ومحمد يأمُرُكم بالقِتَال فتكْرَهُونَهُ. فقال ثابت بن قَيْس: لو أنَّ مُحَمَّداً أمَرَنِي بقَتْل نفسي، لفَعَلْت ذلك فنزلت الآيةُ، وهو من القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ.
وقال الحسن ومُقاتِل: لماّ نَزَلَت هذه الآيةُ،
"قال عُمَر، وعمَّار بن يَاسِر، وعبد الله بن مَسْعُود، وناسٌ من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليلُ: واللَّه لَوْ أمَرَنَا لفعلنا، فالحَمْدُ للَّه الذي عَافَانا اللَّه فبلغ ذَلِك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال إنَّ مِنْ أمَّتِي لَرِجَالاً، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِم مِنَ الجِبَالِ الرَّواسِي" .
والضَّمِيرُ في قوله: {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} فيه قولان:
الأوّل: قال ابن عبَّاسٍ ومُجَاهِد: إنه عَائِد إلى المُنَافِقين لأنه - تعالى - كَتَبَ على بَنِي إسرائيلَ أن يَقْتُلوا أنْفُسَهم، وَكَتَب على المُهَاجِرِين أن يَخْرُجُوا من ديارِهم، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} على هؤلاءِ المُنَافِقِين القَتْل والخُرُوجَ، ما فَعلهُ إلا قَلِيلٌ ريَاءً وسُمْعَة، وهذا اخْتِيَار الأصَمِّ والقَفَّال.
[القول] الثاني: المراد: لو كَتَب اللَّه على النَّاسِ ما ذَكَر، لم يَفْعَلْه إلا قَلِيلٌ منهم، فَيَدْخُل فيه المُؤمِنُ والمُنَافِق.
قوله: {أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ} "أن" فيها وجهان:
أحدهما: أنها المُفَسِّرة؛ لأنَّها أتت بعد ما هُو بمعنى القَوْلِ لا حَرُوفهِ، وهو أظْهَر.
الثاني: أنها مَصْدَريَّة، وما بَعْدَها من فِعْل الأمْرِ صِلَتُها، وفيه إشْكَالٌ؛ من حيث إنَّه إذا سُبك منها ومِمَّا بَعْدَها مَصْدرٌ، فأتت للدَّلالةَ [على الأمر، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ: كتَبْتُ إلَيْه أنْ قُمْ فيه من الدَّلالَةِ] على طَلَبِ القِيَام بطريق الأمْرِ، ما لا في قَوْلِك: كَتَبْتُ إليه القِيَام، ولكنَّهمُ جَوَّزوُا ذلك واسْتَدَلُّوا بقولِهِم: كَتَبْتُ إليه بأن قُمْ. ووجه الدلالة: أن حَرْفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق.
وقرأ أبو عمرو: بكسر نُونِ "أن" وضَمّ واو "أو"، قال الزَّجَّاج: ولست أعرف لِفَصْل أبي عَمْروٍ بين هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خَاصيَّة إلاّ أن يَكُون رِوَايَةً.
وقال غيره: أمّا كَسْر النُّونِ؛ فلأن الكَسْرَ هُو الأصْلُ في التِقَاء السَّاكِنَيْن، وأما ضَمُّ الواو فللإتبَاعِ؛ لأن الضَّمَّة في الواوِ أحسن؛ لأنَّها تُشْبِه وَاوَ الضَّمِير، نحو:
{ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ } [البقرة: 16] { وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ } [البقرة: 237] وكَسَرَهُمَا حَمْزَة وعَاصِم؛ لالْتِقَاء السَّاكِنَيْن، وضَمَّهُمَا ابن كَثِير، ونَافِع [وابن عامر] والكسائي؛ للاتبَاعِ فيهما.
قوله {مَّا فَعَلُوهُ}. الهاء يُحْتَمَلُ أن تكُون ضمير مَصْدر {ٱقْتُلُوۤاْ}، أو {ٱخْرُجُواْ} أي: ما فَعَلُوا القَتْل؛ أو ما فَعَلُوا الخُرُوج.
وقال فَخْر الدِّين الرَّازي: تعود إلى القَتْلِ والخُرُوج معاً؛ لأنه الفِعْل جَنْسٌ وَاحِدٌ وإن اخْتَلَفَت ضُرُوبُه.
قال شهاب الدِّين: وهذا بَعيدٌ لنُبُوّ الصِّنَاعة عَنْهُ، وأجَازَ أبو البقاء أن يَعُود على المكْتُوب ويَدُلُّ عليه: {كَتَبْنَا}.
قوله: "إلاَّ قليلٌ" رفْعُه من وَجْهَيْن:
أحدهما: أنه بَدَلٌ من فَاعِل {فَعَلُوهُ} وهو المخْتَار على النَّصْبِ؛ لأن الكلام غير مُوجِبٍ.
الثاني: أنه مَعْطُوف على ذَلِكَ الضَّمِير المَرْفُوع، و"إلاَّ" حَرْف عَطْفٍ، وهذا رأي الكوفِيِّين.
وقرأ ابن عامر وجَماعة: {إلاَّ قَلِيلاً} بالنَّصْب، وكذا هُو في مَصَاحِفِ أهْل الشَّامِ، ومصْحَف أنس بن مَالِكٍ، وفيه وَجْهَان:
أشهرهما: أنه نَصْبٌ على الاسْتِثْنَاء وإن كان الاخْتِيَار الرَّفع؛ لأن المعنى موجُود [معه كما هُو مَوْجُود] مع النَّصْب، ويزيد عليه بمُوَافَقَة اللَّفْظِ.
والثَّاني: أنه صِفَةٌ لمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تقديره: إلا فِعْلاً قليلاً، قاله الزَّمَخْشَرِي وفيه نَظَرٌ؛ إذ الظَّاهر أن "منهم" صِفَةٌ لـ {قَلِيلاً}، ومَتَى حمل القَلِيل على غَيْر الأشْخَاصِ، يقلق هذا الترْكِيب؛ إذ لا فَائِدَة حينئذٍ في ذكر "منهم".
قال أبو علي الفَارِسي: الرَّفْع أقْيَس، فإن مَعْنَى ما أتَى أحَدٌ إلا زَيْد، [وما أتَانِي إلا زَيْد] واحِدٌ؛ فكما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِم: ما أتَاني إلا زَيْدٌ، على الرَّفع، وجب أن يكُون قَوْلهُم: ما أتَانِي أحَدٌ إلا زَيْدُ بِمَنْزِلَتِهِ.
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ} تقدم الكَلاَم على نَظِيره، و"ما" في {مَا يُوعَظُونَ} [موصولة] اسميَّة.
والباء في: "بِهِ" يُحْتَمل أن تكُون المُعَدِّية دَخَلَتْ على الموعُوظ به [والموعوظ به] على هَذَا هو التَّكَالِيفُ من الأوَامِرِ والنَّوَاهِي، وتُسَمَّى أوَامِر اللَّه [تعالى] ونَوَاهِيه مَوَاعِظ؛ لأنها مقْتِرَنَةٌ بالوَعْد والوَعيد، وأن تكون السَّبَبِيَّة، والتقدير: ما يُوعَظُون بسببه أي: بسبب تَرْكِهِ، ودلَّ على التَّرْكِ المحذوف قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ} [واسم "كان" ضمير عَائِدٌ على الفِعْل المفْهُومَ من قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ}] أي: لكَان فِعْل ما يُوعظون به، و"خَيْراً" خبرها، و"شَيئاً" تَمْييز لـ "أشَدَّ"، والمعْنَى: أشَدّ تَحْقِيقاً وتَصْديقاً لإيمانهم.
قوله: "وإذن": حرف جَوَابٍ وجَزَاء، وهل هَذَان المعْنَيَانِ لازمَان لها، أو تكُون جَوَابَاً فَقَطْ؟ قولان:
الأوّل: قَوْل الشلوبين تَبَعاً لظَاهِر قول سيبَويْه.
والثاني: قول الفَارِسيِّ؛ فإذا قال القَائِلُ: أزُورُك غَدَا، فقلت: إذْن أكرِمُكَ، فهي عِنْدَهُ جَوَابٌ وجَزَاء، وإذا قُلْتَ: إذن أظُنُّكَ صَادِقاً، كانت حَرْف جَوَاب فَقَط، وكأنه أخذ هَذَا من قرينَةِ الحَالِ، وقد تقدَّم أنها من النَّواصِبِ للمُضَارع بِشُرُوطِ ذُكِرَت.
وقال أبو البقاء: و"إذَنْ" جواب مُلْغَاة، فظاهر هذه العِبَارَةِ موافِقٌ لقَوْل الفَارسِيِّ [وفيه نَظَر؛ لأن الفارسِيّ] لا يقُول في مِثْل هذه الآية إنَّها جَوابٌ فَقَطْ، وكَونهَا جَوَاباً يَحْتَاجُ إلى شيء مُقَدَّرٍ.
قال الزَّمَخْشَرِيّ: "وإذن" - جواب لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كأنه قيل: وماذَا يكُون لَهُمْ بعد التَّثْبِيتِ أيضاً؟ فقيل: لو تَثَبَّتُوا لآتَيْنَاهُم؛ لأن "إذَنْ" جوابٌ وجَزَاءٌ.
و{مِّن لَّدُنَّـآ}: فيه وَجْهَان:
أظهرهما: أنه مُتعلِّق [بـ {وَءَاتَيْنَاهُمْ}.
والثاني: أنه مُتَعَلِّق] بمحْذُوفٍ؛ لأنه حالٌ من "أجْراً" لأنَّه في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّمَت عليها. و"أجْراً" مَفْعُول ثانٍ لـ "ءَاتَيْنَاهُم"، و{صِرَاطاً} مَفْعول ثانٍ لـ {لَهَدَيْنَاهُمْ}.
فصل
قال الجُبَّائِي: دَلَّت هذه الآيَةُ على أنَّه - تعالى - لمَّا لم يُكَلِّفْهُم ما يَثْقُلُ عَلَيْهم، فبأن لا يَكَلِّفَهُم ما لا يُطِيقُونَ أوْلَى.
والجواب: إنَّما لم يُكَلَّفُهم بهذه الأشْيَاء الشَّاقَّة؛ لأنَّه لو كَلَّفَهُم بها لما فَعَلُوهَا، ولو لم يَفْعلُوهَا، لوقَعُوا في العَذَاب، ثم إنَّه - تعالى - عَلِم من أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ عدم الإيمانِ، وأنهم لا يسْتَفِيدُون من التَّكْلِيفِ إلاَّ العِقَاب الدَّائِم، ومع ذلِك فإنَّهُ كَلَّفَهُم الإيمَان فلمَّ كان جَوَاباً عن هَذَا، فهو جوابٌ عما ذكَرْت.
فصل: دلالة الآية على عظم الآجر
دلَّت هذه الآيةُ على عِظَمِ هذا الأجْرِ من وُجُوه:
أحدُها: أنه ذَكَر نَفْسه بصيغة العَظَمَةِ، وهو قوله: {لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ} والمُعْطِي الحكيم إذا ذكَر نَفْسَه (باللَّفْظِ الدَّالِّ على) العظمة، وهو قوله: {وَءَاتَيْنَاهُم} عند الوَعْد بالعَطِيَّة - دلَّ على عِظَم تَِلْك العَطِيَّة.
وثانيها: قوله: {مِّن لَّدُنَّـآ} هذا التَّخصيص يَدُلُّ على المُبَالَغَةِ، كما في قوله:
{ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } [الكهف: 65].
وثالثها: أنه وَصَفَ الأجْرَ بكَوْنِهِ عَظِيماً، والذي وَصَفَهُ أعْظَم العُظَمَاء بالعَظَمَةِ، لا بد وأن يكُون في نِهَاية العِظَم، قال - عليه الصلاة والسلام -:
"[فيها] ما لاَ عَيْنٌ رَأتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بَشَر" .
والمراد بـ "الصراط المستقيم": هو الدِّين الحَقّ؛ لقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
وقيل: الصِّرَاط هو الطَّريق من عرصة القيامة إلى الجَنَّة؛ لأنه - تعالى - ذكَرَهُ بعد الثَّوابِ والأجْرِ، وأمَّا الدِّين الحَقّ فهو مُتَقَدِّم على الثَّوَابِ والأجْرِ، وصِرَاط القِيَامَةِ يكُون بعد اسْتِحْقَاق الأجْرِ، فكان حَمْلُه عليه في هَذَا الموضِع أولى.