التفاسير

< >
عرض

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
١٩
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ} أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتجلب على عقله.
قوله: "بالْحَقِّ" يجوز أن تكون الباء للحال أي مُلْتَبسةً بالحقّ والمعنى بحقيقة الموت، ويجوز أن تكون للتعدية والمراد منه الموت فإنه حق كأن شدة الموت تحضر الموت، يقال: جاء فلان بكذا أي أحضره، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعَيَان. وقيل: بما يَؤُول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة.
وقرأ عبد الله: سَكَرَاتُ.
ويقال لمن جاءته سكرة الموت: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تحيد أي تميل، من حَادَ عن الشيء يَحِيدُ حُيُوداً وحُيُودَةً وحَيْداً. وقال الحسن: تهرب، وقال ابن عباس - (رضي الله عنهما -) تكره وأصل الحَيْدِ: الميلُ، يقال: حُدْتُ عن الشيء أَحِيدُ حَيْداً ومَحِيداً إذا مِلْت عنه، و "ذلك" يحتمل أن يكون إشارة إلى الموت وأن يكون إشارة إلى الحق. والخطاب قيل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن الخطيب: وهو مُنْكَر، وقيل: مع الكافر. وهو أقرب. والأقْوى أن يقال: هو خطاب عامٌّ مع السامع.
قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} عطف على قوله: {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ} يعني نفخة البعث {ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} الذي وعد الكفار أن يعذبهم فيه. قال الزمخشري: "ذلك" إشارة إلى المصدر الذي هو قوله: "وَنُفِخَ" أي وقت ذلك النفخ يوم الوعيد. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن "يوم" لو كان منصوباً لكان ما ذكره ظاهراً، وأما رفع "يوم" فيفيد أن ذلك نفس اليوم، والمصدر لا يكون نفس الزمان وإنما يكون في الزمان.
فالأولى أن يقال: "ذلك" إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله: "ونفخ" لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه قال تعالى: ذلك الزمان يوم الوعيد، والوعيد هو الذي أَوْعَدَ به من الحَشر، والمجازاة.
قوله: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} قيل: السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنْه إلى مقعده، والشهيدُ هو الكاتب. والسائق لازم للبرِّ والفَاجِرِ، أما البَرُّ فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار، قال تعالى:
{ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ... وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ } [الزمر: 71 - 73]، والشهيد يشهد عليها بما عملت. قال الضحاك: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العَوْفي عن ابن عباس. وقيل: هما جميعاً من الملائكة.
قوله: "مَعَهَا سَائِقٌ" جملة في موضع جر صفة "لِنَفسٍ" أو في موضع رفع صفة "لكُلّ" أو في موضع نصب حالاً من "كُلّ". والعامة على عدم الإدغام في "معها" وطلحة على الإدغام "مَحَّا" بحاءٍ مشددة، وذلك أنه أدغم العين في الهاء، ولا يمكن ذلك فقلبت الهاء حاء ثم أدغم فيها العين فقلبها حاءً. وسمع: ذَهَبَ مَحُّمْ أي معهم. وقال الزمخشري: ومحل "مَعَهَا سَائقٌ" النصب على الحال من "كُلّ"؛ لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة. وأنْحى عليه أبو حيان وقال: لا يقولُ هذا مبتدىءٌ في النحو، لأنه لو نعت "كُلُّ نَفْسٍ" مَا نعت إلا بالنكرة. قال شهاب الدين: وهذا منه غير مرض إذ يعلم أنه لم يرد حقيقة ما قاله.
قوله: "لَقَدْ كُنْتَ" أي يقال له: لَقَدْ كُنْتَ، والقول إما صفة أو حال. والعامة على فتح التاء في "كُنْتَ" والكاف في "غِطَاءَكَ" و "بَصُرَكَ" حملاً على لفظ "كل" من التذكير. والجَحْدَريّ: كُنْتِ بالكسر مخاطبة للنفس. وهو وطلحة بن مصرف: {عَنكِ غِطَاءَكِ فَبَصَرُكِ} بالكسر مراعاة للنفس أيضاً. ولم ينقل صاحب اللوَّامح الكسر في الكاف عن الجَحْدَري، وعلى كل فيكون قد راعى اللفظ مرةً والمعنى أُخْرَى.
فصل
والمعنى {لقد كنت في غفلة من هذا} اليوم فكشفنا عنك الذي كان في الدنيا وعلى قلبك وسمعك وبصرك {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} نفاذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وقال مجاهد: يعني نظرك على لسان ميزانك حيث توزن حسناتكَ وسيِّئَاتُكَ. والمعنى أزلنا غَفْلَتَك عنك فبصرك اليوم حديد وكان من قبل كليلاً.