التفاسير

< >
عرض

فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ
٤٥
يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٤٦
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٧
وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ
٤٨
وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ
٤٩
-الطور

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ} "يومهم" مفعول به لا ظرف. وقرأ أبو حيوة: يَلْقُوا مضارع لَقِيَ ويُضْعِفُ أن يكون المفعول محذوفاً و "يَوْمَهم" ظرف أي يلاقوا أو يلقوا جزاء أعمالهم في يَوْمِهِمْ.
فصل
قوله: "فذرهم" كقوله:
{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [الأنعام: 68]، { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ } [الصافات: 178] إلى غير ذلك. فقيل: كلها منسوخة بآيات القتال. وهو ضعيف. وإنما المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن ينصحه: دَعْهُ فإنه سَيَنَالُ جِنَايَتَهُ.
قوله: {ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} قرأ ابنُ عامر وعاصم بضم ياء يصعقون مبنياً للمجهول. وباقي السبعة بفتحها مبنياً للفاعل. وقرأ أبو عبد الرَّحْمَنِ: بضم الياء وكسر العين.
فأما الأولى: فيحتمل أن تكون من صُعِقَ فهو مَصْعُوق مبنياً للمفعول. وهو ثلاثي حكاه الأخفش، فيكون مثل سُعِدُوا وأن يكون من أَصْعَقَ رُبَاعِيًّا، يقال: أُصْعِقَ فهو مُصْعَقٌ. قاله الفارسي. والمعنى أن غيرَهم أَصْعَقَهُمْ.
وقراءة السلمي تؤذن أن أفْعَلَ بمعنى فَعِلَ. ومعنى يصعقون أي يموتون أي حتى يعاينوا الموت.
وقوله: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ} يوم بدل من "يَوْمَهُمْ".
وقيل: ظرف "يُلاَقُوا".
فإن قيل: يلزم منه أن يكون اليومُ في يوم فيكون اليومُ ظرفَ الْيَوْمِ؟
فالجواب: هو على حدّ قولك: يأتي يَوْمُ قتل فلان يَوْمَ تَبين جَرائِمُهُ. قاله ابن الخطيب. وقوله {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانعٌ.
قوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} يجوز أن يكون من إتباع الظاهر موقع المضمر وأن لا يكون كما تقدم. والمعنى وإن للذين ظلموا أي كفروا {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} أي عذاباً في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس - (رَضِيَ الله عنهما) - يعني القتل يوم بدر.
وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سَبْعَ سنين. وقال البراءُ بن عازب: عذاب القبر.
{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن العذاب نازل بهم.
والمراد بالظلم هنا هو كيدهم نَبِيَّهم - عليه الصلاة والسلام - وهم أهل مكة. وقيل: ظلموا بعبادة غير الله فيكون عاماً في كل ظالم. والإشارة بقوله: "ذَلِكَ" إلى اليوم الذي فيه يُصْعَقُونَ.
ومقعول "يعلمون" يجوز أن يكون ما تقدم، ويجوز أن يكونَ لا مفعولَ له أي أكثرهم غافِلونَ جَاهِلُون.
قوله تعالى {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}. أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمت عليهم "فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا" قراءة العامة بالفك، وأبو السَّمَّال بإدغام النون فيما بعدها. وناسب جمع الضمير هنا جمع العين ألا تراه أفرد حَيْثُ أفردها في قوله:
{ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ } [طه: 39]. قاله الزمخشري. والمعنى: فَإنك بِمرأًى مِنَّا.
قال ابن عباس: نَرَى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مَكْرُوهِكَ.
قال ابن الخطيب: اللام في قوله "لِحُكْمِ رَبِّكَ" تحتمل وجوهاً:
أحدها: هي بمعنى "إلى" أي اصبر إلى أن يحكم الله.
الثاني: أن الصبر فيه معنى الثبات أي تَثَبَّت لحكم ربك واحْتَمِلْهُ.
الثالث: هي اللام التي للسبب، يقال: لِم خرجت؟ فتقول: لحكم فلان عليَّ بالخروج، فقال: فَاصْبِرْ واجعل سبب الصبر امتثال الأمر، أي فاصبر لهذا الحكم عليك لا لشيءٍ آخر.
قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} تقدم الكلام على نظيره وقوله: "حِينَ تَقُومُ" قال سعيد بن جبير وعطاء: أي قل حين تقوم من مجلسك: سُبْحَانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيراً ازددتَ إحساناً وإن كان غير ذلك كان كفارةً له.
وروى أبو هريرة قال: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً وكَثُر فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم: سُبْحَانَكَ اللَّهُ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ إلاَّ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا" . وقال ابن عباس (- رضي الله عنهما -): معناه: صَلِّ لله حين تقوم من مقامك. وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانَك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك. وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان "حِينَ تَقُومُ" من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة، لِمَا رَوَى عاصمُ بنُ حُمَيْدٍ قال: "سألتُ عائشةَ بأيِّ شيءٍ كان يَفْتَتِحُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قيامَ الليل؟ فقالت: كان إذا قَامَ كَبَّر عَشْراً، وحَمِدَ الله عشراً وهَلَّلَ عَشْراً واسْتَغْفَر عَشْراً وقال: اللهم اغْفِرْ لي واهْدِنِي وارْزُقْنِي وعَافِنِي ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" . وقيل: حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا كنت تَنْتَصِبُ لمُجَاهَدةِ قومك ومُعَادَاتِهِم والدعاء عليهم "فسبح بحمد ربك" وبدل قيامك بالمناداة، وانتصابك للانتقام بقيامك بذكر الله وتسبيحه.
قوله: {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي صَلِّ له، قال مقاتل: حتَّى صلاة المغربِ والعشاءِ "وإدْبَارَ النُّجُومِ" يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وذلك حين تُدْبِرُ النجوم أي تغيب بضوء الصبح.
هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هي فريضة صلاة الصبح.
قوله: "وإدْبَارَ النّجُومِ" العامة على كسر الهمزة مصدراً، بخلاف التي في آخر "ق" كما تقدم، فإنَّ الفتح هناك لائق لأنه يراد به الجمع لدَبْر السجود أي أعْقَابِهِ.
على أنه قرأ سالم الجَعديُّ ويعقوب، والمِنْهَالُ بن عمرو بفتحها هنا؛ أي أعقاب النجوم وآثارها إذا غَرُبَتْ.
فصل
هذه الآية نظير قوله:
{ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [الروم: 17] وقد تقدم الكلام عليها.
قال ابن الخطيب: قال ههنا: "وإدبار النجوم" وقال في "ق"وأَدْبَار السُّجُّودِ" فيحتمل أن يكون المعنى واحداً، والمراد من السجود جمع ساجد، والنُّجُوم سجود قال تعالى:
{ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن: 6].
وقيل: المراد من النجوم نجوم السماء. وقيل: النجم: ما لا ساق له من النبات قال تعالى:
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.... } [الرعد: 15]. والمراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نَجْمٌ في اللغة إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل: سبحان الله كما تقدم.
روى أبيّ بن كعب - (رضي الله عنه وأَرْضَاهُ) - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"مَنْ قَرَأَ سُورَة والطُّورِ كان حَقًّا على اللَّه - عزَّ وَجَلَّ - أن يُؤمِّنَهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر وَأَنْ يُدْخِلَهُ بِنِعْمَتِهِ فِي جَنَّتِهِ" .
(والله - سبحانه وتعالى -) أعْلَمُ.