التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
٢٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٨
لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
٢٩
-الحديد

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم}، أي: أتبعنا على آثارهم، أي: على آثار الذُّرية.
وقيل: على آثار نوح وإبراهيم برسلنا موسى وإلياس وداود ويونس، وغيرهم، {وقفّينا بعيسى ابن مريم}، فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمّه.
{وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ}: وهو الكتاب المنزل عليه وقد تقدم اشتقاقه في أول آل عمران.
وقراءة الحسن: بفتح الهمزة.
قال الزمخشري: أمره أهون من أمر البَرْطِيل والسَّكينة فيمن رواها بفتح "الفاء"؛ لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب.
وقال ابن جنّي: قراءة الحسن - بفتح الهمزة - مثال مبالغة، لا نظير له؛ لأنه "أفعيل" وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته لأنه يستخرج به الأحكام.
وقال ابن الخطيب: وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع؛ وله وجهان:
أحدهما: أنه شاذ، كما حكي عن بعضهم في البَرْطِيل.
والثاني: أنه ظن الإنجيل أعجميًّا، فحرف مثاله؛ تنبيهاً على كونه أعجمياً.
قوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على دينه يعني: الحواريين وأتباعهم {رَأْفَةً وَرَحْمَةً}.
قرأ الحسن: "رَآفة" بزنة "فَعَالة".
قال مقاتل: المراد من الرَّأفة والرحمة: المودَّة فكان يوادّ بعضهم بعضاً كما وصف الله - تعالى - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:
{ { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29].
وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصَّفْحِ، وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قستْ قلوبهم، وحرّفوا الكلم عن مواضعه.
والرَّأفة: [اللِّين.
والرحمة:] الشَّفقةُ.
وقيل: الرأفة تخفيف الكُل، والرحمة تحمل الثقل.
وقيل: الرَّأفة: أشد من الرحمة وتم الكلام.
فصل في أن أفعال العبد خلق لله تعالى
دلت هذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه حكم بأن هذه مجعولة، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية.
قال القاضي: المراد بذلك أنه - تعالى - لطف بهم حتى قويت دواعيهم في الرَّهبانية التي هي تحمّل الكلفة الزائدة على ما يجب.
والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا؛ لأن الحال الاستواء بمنع حصول الرُّجحان؛ لأنَّ حصول الرجحان عند الاستواء ممتنع، فعند المرجوحية أولى بأن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجُوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.
قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا}. في انتصابها وجهان:
أحدهما: أنها معطوفة على "رأفة ورحمة".
و "جعل" إما بمعنى "خَلَق"، وإما بمعنى "صيّر"، و "ابتدعوها" على هذا صفة لـ "رَهْبَانية"، وإنما خصّت بذكر الابتداع؛ لأن الرَّأفة والرحمة في القلب أمر غريزة لا تكسُّب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، فإنها أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسُّب، إلا أن أبا البقاء منع هذا الوجه، بأن ما جعله الله لا يبتدعونه.
وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك منها.
وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف عليها، و "ابتدعوها" نعتٌ له، والمعنى: فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}.
والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظَّاهر.
وقال أبو علي: "ابتدعوها رهبانية"، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي والزمخشري، وأبو البقاء وجماعة.
إلاَّ أن هذا يقال: إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانت من فعل الله نسب خلقهما إليه، والرهبانية لمَّا لم تكن من فعل الله - تعالى - بل من فعل العبد يستقلّ بفعلها نسب ابتداعها إليه.
ورد عليهم أبو حيَّان هذا الإعراب من حيث الصناعة، وذلك أن من حق الاسم المشتغل عنه ألاَّ يصلح للرفع بالابتداء، و "رَهْبَانية" نكرة لا مسوغ للابتداء بها، فلا يصلح نصبها على الاشتغال.
قال شهاب الدين: وفيه نظر لأنا لا نسلم أولاً اشتراط ذلك، ويدل عليه قراءة من قرأ: {سُورَةً أَنزَلْنَاهَا} [النور: 1] بالنصب على الاشتغال، كما تقدم تحقيقه، ولئن سلمنا ذلك فثمَّ مسوغ وهو العطف، ومن ذلك قول الشَّاعر: [البسيط]

4726- عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتلتِي فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امْرُؤٌ سَمِعَا؟

وقول الآخر: [الطويل]

4727- تَغَشَّى ونَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا مُحَيَّاكِ، أخْفَى ضَوْءُهُ كُلَّ شَارِقِ

ذكر ذلك ابن مالك.
و "الرَّهْبَانية": منسوبة إلى "الرَّهْبَان"، وهو "فَعْلاَن" من رهب، كقولهم: الخَشْيَان من خشي، وقد تقدم معنى هذه المادة في سورة "المائدة".
وقرىء بضم الراء.
قال الزمخشري: كأنها نسبة إلى "الرُّهْبَان"، وهو جمع: راهب، كـ "راكب، ورُكْبان".
قال أبو حيان: والأولى أن يكون منسوباً إلى "رَهْبَان" - يعني بالفتح - وغيِّر؛ لأنَّ النَّسب باب تغيير، ولو كان منسوباً لـ "رُهْبَان" الجمع لردّ إلى مفرده إلاَّ إن قد صار كالعلم، فإنه ينسب إليه كـ "الأنصار".
فصل في المراد بالرهبانية
والمراد من الرهبانية: ترهُّبُهم في الجبال فارِّين من الفتنة في الدين متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة، واللِّباس الخَشِن، والاعتزال عن النساء، والتعبُّد في الغيرانِ والكهوف.
روى ابن عباس أن في أيام الفترةِ بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - غيَّر الملوك التوراة والإنجيل، فراح نفرٌ، وبقي نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا.
قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى - عليه الصلاة والسلام - ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقيَ على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعُنَا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصَّوامع.
وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفضُ النساء، واتخاذ الصَّوامع.
وفي خبر مرفوع: هي لحوقهم بالبرارِي والجبال.
قوله تعالى: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}.
صفة لـ "رهبانية"، ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك.
قال ابن زيد: معناه ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها.
وقوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}. فيه أوجه:
أحدها: أنه استثناء متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ابتغاء مرضات الله، فيكون "كتب" بمعنى "قضى"، فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضات الله، وهذا قول مجاهد.
والثاني: أنه منقطع.
قال الزمخشري ولم يذكر غيره: "أي: ولكنهم ابتدعوها".
وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، قالوا: معناه لم يفرضها عليهم، ولكنهم ابتدعوها.
الثالث: أنه بدل من الضمير المنصوب في "كَتَبْنَاها" قاله مكي.
وهو مشكل، كيف يكون بدلاً وليس هو الأول لا بعضه، ولا مشتملاً عليه.
وقد يقال: إنه بدل اشتمال؛ لأن الرهبانية الخالصة المرعية حق الرعاية قد يكون فيها ابتغاء رضوان الله، ويصير نظير قولك: الجارية ما أحببتها إلا أدبها فأدبها بدل من الضمير في "أحببتها" بدل اشتمال، وهذا نهاية التمحُّل لصحة هذا القول.
والضمير المرفوع في "رَعَوْهَا" عائد على من تقدم.
والمعنى: أنهم لم يدوموا كلهم على رعايتها، وإن كان قد وجد هذا في بعضهم.
وقيل: يعود على الملوك الذين حاربوهم.
وقيل على أخلافهم و "حقَّ" نصبه على المصدر.
قال القرطبي فيها: وقيل: "إلاَّ ابتغاء" استثناء منقطع، والتقدير: "ما كتبناها عليهم، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله".
{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}.
أي: ما قاموا بها حقَّ القيام، بل ضمُّوا إليها التثليث والاتحاد، وأقام الناس منهم على دين عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى أدركوا نبينا محمداً - عليه الصلاة والسلام - فآمنوا به، فهو قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون}.
وقيل: إنّا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلاَّ ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لغير هذا الوجه، وهو طلب الدنيا والرِّياسة والسُّمعة.
وقيل: معناه أنا كتبناها عليهم فتركوها، فيكون ذلك ذمًّا لهم لتركهم الواجب.
وقيل: إن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به.
فصل فيمن أحدث بدعة
دلت هذه الآية أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية.
وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صديُّ بن عجلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أحْدَثْتُم قيامَ رمضانَ ولمْ يُكتَبْ عليْكمْ، إنَّما كُتِبَ عليْكُمُ الصِّيامُ، فدُومُوا على القِيامِ إذْ فعلتُمُوهُ ولا تَتْرُكُوهُ، فإنَّ ناساً مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتدَعُوا بِدَعاً ولَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عليهم ابتغَوْا بِهَا رضْوانَ اللَّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رعايتِهَا فَعَاتَبَهُم الله عليها بِترْكِهَا" ، فقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} الآية.
فصل
دلّت الآية على العزلة عن الناس وذلك مَنْدُوبٌ إليه عند فساد الزمان، وتغير الأحوال والإخوان.
قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ}.
أي: آمنوا بموسى وعيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}، أي: مثلين من الأجْر على إيمانهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا نظير قوله تعالى:
{ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } [القصص: 54].
و "الكِفْلُ": الحظّ والنصيب.
وقد تقدم، وهو في الأصل كساء يكتفلُ به الراكب يحفظه من السقوط. قاله ابن جرير.
وقال الأزهري: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، والمعنى: يؤتكم نَصِيبيْنِ يحفظانكم من هلكةِ المعاصي كما يحفظ الكفلُ الراكب.
وقال أبو موسى الأشعري: "كِفْلَيْن" ضِعْفَيْن، بلسان "الحبشة".
وقال ابن زيد: "كِفْلين" أجر الدنيا والآخرة.
وقيل: لما نزلت:
{ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [القصص: 54] افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
فإن قيل: إنه - تعالى - لما أعطاهم كِفْلَيْنِ، وأعطى المؤمن كفلاً واحداً كان حالهم أعظم.
فالجواب: أنه لا يبعد أن يكون النَّصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين.
روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ثَلاثَةٌ يُؤتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رجُلٌ كانَتْ لَهُ جَاريةٌ فأدَّبهَا وأحْسَنَ أدبهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا وتَزوَّجَهَا، ورجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ، وآمَنَ بمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وعبدٌ أحْسَنَ عبادةَ اللَّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ" .
قوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً}.
قال مجاهد: أي: بياناً وهدى.
وقال ابن عباس: هو القرآن.
وقيل: ضياء يمشون به في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، وهو النور المذكور في قوله تعالى
{ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم } [الحديد: 12].
وقيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى، لا الرِّياسة الحقيقية في الدين ثم قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}، أي: ما أسلفتم من المعاصي، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}.
هذه "اللام" متعلقة بمعنى الجملة الطَّلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم.
وفي الآية هذه وجهان:
أشهرهما عند النحاة والمفسرين: أنها مزيدة كهي في
{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] و { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [يس: 31]. على خلاف في هاتين الآيتين.
والتقدير: أعلمكم الله بذلك ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضلِ الله، وثبوت أن الفضل بيد الله، وهذا واضح بيِّن، وليس فيه إلا زيادة ما ثبتت زيادته شائعاً ذائعاً.
والثاني: أنها غير مزيدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب [عجز المؤمنين. نقل ذلك أبو البقاء، وهذا لفظه.
وكان قال قبل ذلك: "لا" زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب] عجزهم.
وهذا غير مستقيم؛ لأن المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ من فضل الله، وكيف يعمل هذا القائل بقوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}، فإنه معطوف على مفعول العلم المنفي، فيصير التقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أنَّ الفضل بيد الله، وهذا لا يستقيم نفي العلم به ألبتة، فلا جرم كان قولاً مطرحاً.
وقرأ العامة: "لئلاَّ" بكسر لام كي، وبعدها همزة مفتوحة مخففة.
وورش يبدلها ياء محضة. وهو تخفيف قياسي نحو: "مِيَة وفِيَة" في "مِئَة وفِئَة" ويدل على زيادتها قراءة عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، والجحدري، وعبد الله بن سلمة: "ليعلم" بإسقاطها.
وقراءة حطَّان بن عبد الله: "لأن يعلم" بإظهار "أن".
والجحدري أيضاً والحسن: "ليعلم".
وأصلها كالتي قبلها "لأن يعلم" فأبدل الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة؛ وقد تقدم أنه قياسي كقراءة ورش "ليلاّ" ثم أدغم النون في الياء.
قال أبو حيان: "بغير غُنَّةٍ كقراءة خلف "أن يضرب" بغير غُنَّةٍ". انتهى.
فصار اللفظ "ليعلم". وقوله "بغير غنة"، ليس عدم الغنة شرطاً في صحة هذه المسألة بل جاء على سبيل الاتفاق، ولو أدغم بغنة لجاز ذلك فسقوطها في هذه القراءات يؤيد زيادتها في المشهورة.
وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه أبو بكر بن مجاهد: "ليلا يعلم" بلام مفتوحة وياء ساكنة كاسم المرأة، ورفع الفعل بعدها.
وتخريجها: على أن أصلها "لأن لا" على أنها لام الجر ولكن فتحت على لغة مشهورة معروفة؛ وأنشدوا:

4728- أرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا.... ...................

بفتح "اللام"، وحذف الهمزة اعتباطاً، وأدغمت النون في "اللام" فاجتمع ثلاثة أمثال فثقل النطق به، وأبدل الوسط ياء تخفيفاً، فصار اللفظ "ليلا" كما ترى، ورفع الفعل؛ لأن "أنْ" هي المخففة لا النَّاصبة، واسمها على ما تقرر ضمير الشَّأن، وفصل بينهما وبين الفعل الذي هو خبرها بحرف النَّفْي.
وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه قطرب: "ليلا" بلام مكسورة، وياء ساكنة، ورفع الفعل بعدها، وهي كالَّتي قبلها في التخريج، غاية ما في الباب أنه جاء بلام الجر كما هي في اللغة الشهيرة.
وروي عن ابن عباس: "لكي يعلم" و "كي يعلم".
وعن عبد الله: "لكيلا".
وهذه كلها مخالفة للسَّواد الأعظم، ولسواد المصحف.
وقراءة العامة: {أن لا يقدرون} بثبوت النون، على أن "أنْ" هي المخففة.
وعبد الله: بحذفها على أن "أن" هي الناصبة.
وهذا شاذّ جداً؛ لأن العلم لا يقع بعده الناصبة.
وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} الظاهر أنه مستأنف.
وقيل: هو خبر ثانٍ عن الفضل.
وقيل: هو الخبر وحده، والجار قبله حال، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيدِ الله لا ينتقل ألبتة.
فصل في اتصال الآية بما قبلها
نقل ابن الخطيب عن الواحدي أنه قال: هذه الآية مشكلة، وليس للمفسرين فيها قول واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن "لا" هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب.
وقال أبو مسلم وجماعة: على أن "لا" ليست زائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله وتوفيقه.
أما على القول بزيادتها، فاعلم أنه لا بُدَّ هاهنا من تقديم مقدمة، وهي أن أهل الكتاب كانوا يقولون: إن الوحْيَ والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلاَّ لنا، وإنّ الله خصَّنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين العالمين.
إذا عرفت هذا، فنقول: إن الله - تعالى - لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم الأجر العظيم في ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآيةِ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيءٍ من فَضْل الله لقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً.
وأما القول بأن "لا" غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: "لا يَقْدرون" عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه - رضي الله عنهم - والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، فإنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه، فقد علموا أنَّهم يقدرون عليه ثم قال: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} فيصير التقدير: إنا جعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله في قوم معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله.
واعلم أنَّ هذا القول ليس فيه إلاَّ أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} تقديره: وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود، ومن المعلوم أنَّ الإضمار أولى من الحذف؛ لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً.
وأما إذا افتقرنا إلى الحذف كان ظاهرهُ موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى.
فصل في نزول هذه الآية
قال قتادةُ: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: لئلا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله.
وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منّا نبيٌّ يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: "لئلا يعلم"، أي: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون يعني: أنهم لا يقدرون، كقوله:
{ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } [طه: 89] والمراد من فضل الله.
قيل: الإسلام وقيل: الثواب.
وقال الكلبي: من رزق الله.
وقيل: نِعَمُ الله التي لا تُحْصَى.
{وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} ليس بأيديهم، فيصرفوا النُّبُوَّة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يُحِبُّون.
وقيل: إن الفضل بيد الله، أي: بقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}.
روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول:
"إنَّما بَقَاؤكُمْ فِيْمَا سَلَفَ قَبْلكُمْ مِنَ الأممِ كما بَيْنَ صلاةِ العصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، أعْطِيَ أهْلُ التَّوراةِ التَّوْراةَ فَعمِلُوا بِهَا حتَّى انْتَصفَ النَّهارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطي أهْلُ الإنجيلِ الإنجيلَ فعمِلُوا بِهِ حتَّى صلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطيتُمُ القُرْآنَ فعَمِلْتُمْ بِهِ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فأعطيتُمْ قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، قال أهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هؤلاءِ أقَلُّ عملاً وأكْثَرُ أجْراً، قال: هَلْ ظُلِمْتُمْ مِنْ أجْرِكُمْ شَيْئاً؟ قَالُوا: لا، قال: فذلِك فَضْلُ اللَّهِ أوتيهِ مَنْ أشَاءُ" .
وفي رواية: "فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارى وقالُوا: رَبَّنَا" . الحديث.