التفاسير

< >
عرض

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٢
وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤
-الحشر

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم نظيره.
قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}.
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النَّضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - صلوات الله وسلامه عليه - نزلوا بـ "المدينة" في فتن بني إسرائيل انتظاراً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فكان من أمرهم ما نصّ عليه.
قوله: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}.
يجوز أن تكون "من" للبيان، فتتعلق بمحذوف، أي: أعني من أهل الكتاب.
والثاني: أنها حال من "الَّذين كفروا".
وقوله تعالى: {مِن دِيَارِهِمْ} متعلق بـ "أخرج"، ومعناها: ابتداء الغاية، وصحت إضافة الديار إليهم؛ لأنهم أنشئوها.
قوله: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}.
هذه اللاَّم متعلقة بـ "أخرج" وهي لام التوقيت، كقوله تعالى:
{ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } [الإسراء: 78] أي: عند أول الحشر.
وقال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى:
{ يَٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } [الفجر: 24]، وقوله: "جئت لوقت كذا" وسيأتي الكلام على هذه "اللام" في سورة "الفجر" إن شاء الله تعالى.
فصل في الكلام على الحشر
قال القرطبي: "الحشر": الجمع، وهو على أربعة أضرب:
حشران في الدنيا وحشران في الآخرة.
أما اللذان في الدنيا فقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}.
قال الزهري: كانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء، وكان الله - عز وجل - قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذّبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى "الشام".
قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في "الشام" فليقرأ هذه الآية.
وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "اخْرُجُوا" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ".
قال قتادة رضي الله عنه: هذا أول المحشر.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أول من حشر من أهل الكتاب، وأخرج من دياره.
وقيل: إنهم أخرجوا إلى "خيبر"، وإن معنى "لأول الحشر": إخراجهم من حصونهم إلى "خيبر"، وآخرهم بإخراج عمر إياهم من "خيبر" إلى "نجد" و "أذرعات".
وقيل: "تيماء" و "أريحاء"، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم.
وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة.
قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيلُ معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح.
وذكروا أن تلك النَّار ترى بالليل، ولا ترى بالنهار.
قال ابن العربي: للحشر أول ووسط، وآخر.
فالأول: إجلاء بن النَّضير.
والأوسط: إجلاء خيبر.
والآخر: حَشْر يوم القيامة.
وعن الحسن: هم بنو قريظة، وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما حشروا، ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي.
فصل في نسخ مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم
قال إلكيا الطَّبري: ومُصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في دار الإسلام ثم نُسِخَ، والآن فلا بد من قتالهم، أو سبيهم، أو ضرب الجزية عليهم.
قوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي: لعظم أمر اليهود لعنهم الله ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين واجتماع كلمتهم.
وقوله تعالى: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ}.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزّتهم وقوّتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم.
قيل: المراد بالحصون: الوطيح والنَّطاة والسُّلالم والكتيبة.
قوله: {مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم}. فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون "حُصُونهم" مبتدأ، و "مَانِعتهم" خبر مقدم، والجملة خبر "أنهم". لا يقال: لم لا يقال: "مَانعَتُهُم" مبتدأ، لأنه معرفة، و "حصونهم" خبره، ولا حاجة إلى تقديم ولا تأخير؟ لأن القصد الإخبار عن الحُصُون، ولأن الإضافة غير محضة فهي نكرة.
الثاني: أن تكون "مانعتهم" خبر "أنهم" و "حصونهم" فاعل به، نحو: إن زيداً قائم أبوه، وإن عمراً قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى؛ لأن في نحو: "قائم زيد" على أن يكون خبراً مقدماً ومبتدأ مؤخراً، خلافاً، الكوفيون يمنعونه، فمحل الوفاق أولى.
قال الزمخشري: "فإن قلت: فأي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم، أو "مانعتهم"، وبين النظم الذي جاء عليه؟.
قلت: بتقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وُثُوقهم، ومنعها إياهم، وفي تغيير ضميرهم اسماً لـ "أن"، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض إليهم، وليس ذلك في قولك: حصونهم تمنعهم". انتهى.
وهذا الذي ذكره إنَّما يتأتى على الإعراب الأول، وقد تقدم أنه مرجوح.
وتسلط الظن هنا على "أن" المشددة، والقاعدة أنه لا يعمل فيها ولا في المخففة منها إلا فعل "علم" وتعين إجراؤه مجرى اليقين لشدته وقوته، وأنه بمنزلة العلم.
وقوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} أي: من أمره.
قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}.
قال الزمخشري: قرىء "فأتاهم الهلاك" أي: أتاهم أمره وعذابه {من حيث لم يحتسبوا}، أي: لم يظنوا، وقيل: من حيث لم يعلموا.
وقال ابن جريج والسدي وأبو صالح: "من حيث لم يحتسبوا: بقتل كعب بن الأشرف، وكانوا أهل خلعة وسلاح وقصور منيعة فلم يمنعهم شيء منها".
وقيل: الضمير في "فأتاهم الله" يعود إلى المؤمنين، أي: فأتاهم نصرُ الله وتقويته [لا] يمنعهم شيء منها.
قوله: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وخبره مشهور في السيرة.
قال أهل اللغة: "الرُّعْبُ": الخوف الذي يرعب الصُّدور، أي: يملؤه، وقذفه: إثباته فيه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنه قذف اللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.
وهذه الآية تدلّ على أن الأمور كلها من الله تعالى، لأن الآية دلّت على أن وقوع ذلك بالرُّعب صار سبباً في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله تعالى، فكانت الأفعال بأسرها مستندة إلى الله - تعالى - بهذا الطريق.
قوله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم} يجوز أن يكون مستأنفاً للإخبار به، وأن يكون حالاً من ضمير "قلوبهم"، وليس بذاك.
وقرأ أبو عمرو: "يُخَرِّبُونَ" بالتشديد، وباقيهم: بالتَّخفيف.
وهما بمعنى؛ لأن "خرَّب" عدَّاه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة.
وعن أبي عمرو: أنه فرق بمعنى آخر، فقال: "خرّب" - بالتشديد - هدم وأفسد، و "أخرب" - بالهمزة - ترك الموضع خراباً، وذهب عنه، وهو قول الفرَّاء.
قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً.
و "يُخْرِبُونَ" من خرب المنزل وأخربه صاحبه، كقوله: "عَلِمَ وأعْلَمَ، وقَامَ وأقَامَ".
وإذا قلت: "يخربون بيوتهم" من التخريب فإنما هو تكثير؛ لأن ذكر "بيوتاً" تصلح للتقليل والتكثير.
وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو: "فرحته وأفرحته".
قال الأعشى: [المتقارب]

4736-..................... وأخْرَبْتَ مِنْ أرْضِ قَوْمٍ دِيَارا

واختار الهذلي قراءة أبي عمرو لأجل التَّكثير.
ويجوز أن يكون "يخربون" تفسيراً للرُّعب فلا محلَّ له أيضاً.
قال أبو عمرو: وإنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خراباً، وإنما خرَّبوها بالهدم، ويؤيده قوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
فصل في تفسير الآية
قال قتادة والضحاك رحمهما الله تعالى: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم.
وقال مقاتل: إن المنافقين أرسلوا إليهم ألا يخرجوا وتدرّبوا على الأزِقَّة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب.
وقيل: إن المسلمين كانوا إذا ظهروا على دربٍ من دروبهم خربوه، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم وينقِّبُونها من وراء أدبارهم.
وقيل: إن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنُوا بالجلاء، فكانوا ينظرون إلى الخشبةِ في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها، ويحملونها على الإبل.
فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟.
قلت: لما عرضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم.
وقال الزهري: "يخربون بيوتهم" بنقض المواعدة، "وأيدي المؤمنين" بالمقاتلة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: "بأيديهم" في تركهم لها، "وأيدي المؤمنين" في إجلائهم عنها.
قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يَٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}.
والاعتبار: مأخوذ هنا من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، وبهذا سميت العبرةُ عبرةً؛ لأنها تنتقل من العين إلى الخدِّ، وسمي علم التعبير؛ لأن صاحبه ينتقل من المتخيّل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل المعاني عن لسان القائل إلى عقلِ المستمع.
ويقال: السعيد من اعتبر بغيره؛ لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه.
ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها.
وقوله عز وجل: {يا أولي الأبصار}.
قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أهل اللُّب والعقل والبصائر.
قال الفراء: أي من عاين تلك الوقائع والأبصار جمع البصر.
ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحُصُون من الله، فأنزلهم الله - تعالى - منها، وسلط عليهم من كان ينصرهم، وأنهم هدموا أموالهم بأيديهم، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه.
واستدل الأصوليون بهذه الآية على وجوب العمل بالقياس.
وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ}.
العامة: على مده وهو الإخراج.
يقال: أجليت القوم، وجلا هو جلاء.
وقال الماوردي: الجلاء أخصّ من الخروج؛ لأنه لا يقال إلا لجماعة، والإخراج يكون للجماعة والواحد.
وقال غيره: الفَرْق بينهما أن الجلاء كان مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك.
وقرأ الحسن وعلي ابنا صالح: "الجَلاَ" بألف فقط.
وطلحة: مهموزاً من غير ألف كـ "النبأ".
والمعنى: أنه لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن ديارهم، وأنه يبقون مدة، فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} أي: بالقتل كما فعل بإخوانهم "بني قريظة"، والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء.
وأما قوله: {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}، فهو كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم ألا يوجد؛ لأن "لولا" تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
أي: عادوه وخالفوا أمره.
{وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ}.
قرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع: بالفك، كالمتفق عليه في الأفعال، وأدغم الباقون.
والمقصود من الآية الزَّجْر.