التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ
١
قُمْ فَأَنذِرْ
٢
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
٣
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
٤
وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ
٥
وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ
٦
وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ
٧
-المدثر

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام.
وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من "تدثَّر" وأصله: المتدثر فأدغم كـ"المزمّل". وفي حرف أبي: "المتدثر" على الأصل المشار إليه.
وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من "دثّر" - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم.
وعنه أيضاً: فتح الثاء.
ومعنى "تَدثَّر" لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، "والشِّعَار": ما يلي الحسد، وفي الحديث:
"الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ" .
و "سيف دَاثِر": بعيد العَهْد الصِّقال.
ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به.
قوله: "قُمْ" إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من "قام" بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل]

4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ .....................

وقوله: [الوافر]

4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ .......................

في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن "قام" مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات "عَسَى" فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً.
قوله: {فَأَنذِرْ}، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار.
فصل في معنى الآية
المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام.
وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه:
أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن.
روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً" فأنزلَ اللَّهُ تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}.
وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صلى الله عليه وسلم قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}.
وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام -، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له.
وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه:
الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم.
قال ابن العربي: "وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل".
الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ.
الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: "قُمْ فأنْذِرْ" عذاب ربّك.
فصل في لطف الخطاب في الآية
قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل.
فصل في معنى "فأنذر"
ومعنى قوله تعالى: {فَأَنذِرْ}، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.
وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة.
وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود.
وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة.
قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به.
قال الزمخشري: "واختص ربَّك بالتكبير".
ثم قال: "ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره" وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى:
{ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } [البقرة: 40].
قال أبو حيان: "وهو قريب مما قدره النحاة في قولك: "زيداً فاضرب"، قالوا: تقديره: "تنبَّهْ فاضرب زيداً" فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة".
قال أبو الفتح الموصلي: يقال: "زيداً اضرب، وعمراً اشكر" وعنده أن الفاء زائدة.
وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده.
فصل في معنى الآية
معنى قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}. أي: صفه بأنه أكبر.
قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي
"أن أبا سفيان قال يوم أحد: أعْلُ هُبَل، فقال: صلى الله عليه وسلم قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ" وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله "اللَّهُ أكبرُ" وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله: "تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ" ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك.
والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ "اللَّهُ أكبَرُ".
وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رضي الله عنها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري.
وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان.
قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر.
وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة.
فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة.
فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عليه الصلاة والسلام - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: {قُمْ فَأَنذِرْ} قيل بعد ذلك {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} عن اللغو والرفث.
قوله: {وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ}.
قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا" يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي.
ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

4946 -................... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ

أي: قلبي من قلبك.
قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان:
أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل]

4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ

ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رضي الله عنه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل]

4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ

وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل]

4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا

أي: ركبوها فرموها بأنفسهم.
ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى:
{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } [البقرة: 187].
قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان:
الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف.
الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر.
قال ابن الخطيب: "وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها".
ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل]

4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا

والسبب في حسن هذه الكناية وجهان:
الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره.
الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر.
جاء في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ" .
وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل]

4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ

يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي.
وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة.
ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ:
الأول: وثيابك فأنق.
الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس.
الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد ابن سيرين وابن زيد والفقهاء.
الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر.
قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين:
أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ" . فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء، وفي رواية: منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء" .
والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر.
قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل.
قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ:
الأول: قال الشافعي - رضي الله عنه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس.
وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات.
وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} على أن لا ينتقم منهم {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} عن تلك النجاسات والقاذورات.
قوله: {وَٱلرُّجْزَ}. قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها.
فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما.
وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ.
وقال السديُّ: "الرَّجْز"، بنصب الراء: الوعيد.
وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى:
{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } [الحج: 10]، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم.
وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة.
وأصل "الرُّجْز": العذابُ، قال تعالى:
{ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } [الأعراف: 134].
وقال تعالى:
{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأعراف: 163].
قوله: {وَلاَ تَمْنُن}، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام.
وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في "المائدة"، عند قوله تعالى:
{ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } [المائدة: 54].
والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه "ولا تضعف" من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف.
قوله: {تَسْتَكْثِرُ}، العامة على رفعه، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت.
وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت.
الثاني: على حذف "أن" يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت "أن" ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل]

4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى .......................

في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ.
ولم يبين ما محل "أن" وما في خبرها. وفيه وجهان:
أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر.
والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي.
وقد تقدم أن "تَمْنُنْ" بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد.
إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: "وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى".
والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: "تَسْتكثِرَ" أيضاً على إضمار "أن"، كقولهم: "مُرْهُ يحفرها".
وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: "ولا تمنن أن تستكثر".
وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله:
{ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ } [الفرقان: 68 - 69] فـ"يُضَاعَفُ" بدلاً من "يَلْقَ"؛ وكقوله: [الطويل]

4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا

ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: { لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ } [البقرة: 264].
الثاني: أن يشبه "ثرو" بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري.
يعني: أنه يأخذ من مجموع "تستكثر" [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض "تستكثر"] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ}؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع]

4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ

بتسكين "أشْرَبْ" - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ كـ"عضد" ثم سكن.
وقد تقدم في سورة "يوسف" في قراءة قُنبل: "من يَتّقي"، بثبوت الياء، أن "مَنْ" موصولة، فاعترض بجزم "يَصْبِر"؟.
فأجيب بأنه شبه بـ"رف"، أخذوا الباء والراء من "يَصْبِر" والفاء من "فإنَّه"، وهذه نظير تيك سواء.
الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً.
يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ.
قال أبو حيان: "وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة".
فصل في تعلق الآية بما قبلها
في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه.
قال الحسن -رحمه الله -: بحسناتك، فتستكثرها.
وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ}.
وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك.
وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك.
وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته.
وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي.
وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس.
فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم أو يتناول الأمة؟.
فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة.
وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك.
فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟
فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم.
فصل في المقصود من الآية
قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى {تَسْتَكْثِرُ}، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى.
قال القرطبي -رحمه الله -: "أظهر الأقوال قول ابن عباس "لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال" يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال:
"مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ" وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث".
قوله: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم.
{وَلِرَبِّكَ} يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما.
والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام.
والثاني: ان يضمن "صبر" معنى: "أذعن"، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى:
{ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } [القلم: 48].