التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢١
إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ
٢٩
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
٣٠
وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ
٣١
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ
٣٢
وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
٣٣
فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
٣٤
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٣٥
هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
-المطففين

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ}: لمَّا ذكر تعالى حال الكفار والمطففين أتبعه بذكر الأبرار الذين لا يطففون، فقال: "كلاَّ" أي: ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجَّار من إنكار البعث، ومن أنَّ كتاب الله أساطير الأولين، بل كتابهم في سجِّين، وكتابُ الأبرارِ في علِّيِّين.
وقال مقاتلٌ: "كلاَّ" أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
قوله: {لَفِي عِلِّيِّينَ}. هو خبر "إنَّ".
وقال ابن عطيَّة هنا كما قال هناك، ويرد عليه بما تقدم، و "علِّيُّون": جمع "عِلِّيِّ"، أو هو اسم مكان في أعْلَى الجنة، وجرى مجرى جمع العقلاء، فرفع الواو، ونصب وجر بالياء، مع فوات شرط العقل.
وقال أبو البقاء: واحدها "عليّ" وهو الملك.
وقيل: هو صيغة للجمع مثل عشرين، ثم ذكر نحواً مما ذكره في "سِجِّين" من الحذف المتقدم.
وقال الزمخشري: "عِلِّيُّون" علم لديوان الخير الذي دوِّن فيه كلُّ ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع "عليّ"فعيل" من العلو كـ "سجين" من السجن، سمي بذلك؛ إمَّا لأنَّه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات في الجنة، وإما لأنَّه مرفوع في السماء السابعة.
وتلك الأقوال الماضية في "سجِّين" كلُّها عائدة هنا.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنَّها السماء السابعة.
وقال مقاتلٌ وقتادةُ: هي سدرةُ المنتهى.
وقال الفراء: يعني: ارتفاعها بعد ارتفاع لا غاية له.
وقال الزجاجُ: أعْلَى الأمْكِنَةِ.
وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة.
وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، لقوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وذلك تنبيه على أنَّه معلوم، وأنه سيعرفه، ثم قال تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} فبين أن كتابهم في هذا الكتاب بالمرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنَّه - تعالى - كما وكلَّهم باللوح المحفوظ، فكذلك وكلَّهُم بحفظ كُتبِ الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له، ولا يمنع أن الحفظة إذا صعدت تكتب الأبرار بأنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين، فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم، أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وُكِّلوا بحفظه، ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً.
وقيل: المعنى: ارتفاع بعد ارتفاع.
وقال أبو مسلم: هذا كناية عن العلو والرفعة، والأول كناية عن الذُّلِّ والإهانةِ.
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "عِلِّيُّون": لوحٌ من زبرجدة خضراء معلَّق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه.
قال كعب وقتادة: هي قائمة العرش اليمنى.
وقال ابن عباس: هو الجنة.
وقال الضحاكُ: سدرةُ المنتهى.
وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}: ليس فيه تفسير عليِّين، أي: مكتوب أعمالهم كما تقدم في كتاب الفجار.
وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة.
قوله: {يَشْهَدُهُ}: جملة يجوز أن تكون صفة ثانية، وأن تكون مستأنفة، والمعنى: أنَّ الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك المكتوب وذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين.
قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. لمَّا عظم كتابهم عظم منزلتهم بأنَّهم في النعيم ثم بين ذلك النعيم بأمورٍ، ثلاثة: أولها: بقوله تعالى: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}.
قال القفَّال: "الأرائك": الأسِرَّة في الحجال، ولا تُسَمَّى أريكة فيما زعموا إلا إذا كان كذلك.
وعن الحسن - رضي الله عنه - كُنَّا لا ندري ما الأريكةُ، حتى لقينا رجلٌ من أهل "اليمن"، أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك. وقوله: "يَنْظُرون" قيل: إلى أنواع نعيمهم من الحُور والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها.
وقال مقاتلٌ: ينظرون إلى عدوِّهم حين يعذبون.
وقيل: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه، فيحضرهم ذلك الشيء في الحال قيل: يحمل على الكل.
قال ابن الخطيب: إنهم ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}.
قوله تعالى: {تَعْرِفُ}. العامة: على إسناد الفعل إلى المخاطب، أي: تعرف أنت يا محمد، أو كل من صح منه المعرفة.
وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبة وطلحة ويعقوب والزعفراني: "تُعْرَفُ" مبنياً للمفعول، و "نضرةُ": بالرفع على قيامها مقام الفاعل.
وعلي بن زيد: كذلك إلا أنه بالياء أسفل؛ لأن التأنيث مجازي.
والمعنى: إذا رأيتهم عرفت أنَّهم من أهل النَّعيم مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض.
وقال الحسن: النضرةُ في الوجه والسُّرور في القلب.
قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ}.
قال الليث: الرَّحيقُ: الخمر.
وقيل: الخمر الصافية الطيبة.
وقال مقاتل: الخمر البيضاء.
وقال ابنُ الخطيب: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى:
{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [الصافات: 47].
قوله: "مختوم"، أي: ختم ومنع أن تمسَّهُ يد إلى أن يفكّ ختم الأبرار.
قال القفال: يحتملُ أن يكون ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري أنهاراً، لقوله:
{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } [محمد: 15]، إلاَّ أنَّ هذا المختوم أشرف من الجاري.
وقال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: "المختوم": الذي له ختام أي: عاقبة.
وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: المختوم أشرف من الجاري الممزوج ختامه، أي: طعمه وعاقبته مسكٌ، وختم كلِّ شيء: الفراغ منه، ومنه يقال: ختمتُ القرآن، والأعمال بخواتيمها، ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - واختاره الكسائي، فإنه قرأ: "خاتمةُ مِسْك" أي: آخره، كما يقال: خاتمُ النبيين، ومعناه واحد.
قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم: الاسم، والخِتَام: المصدر، كقولهم: هو كريم الطِّباع والطَّابع، والخِتَام والخَاتم.
وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك.
وقال مجاهد: مختوم، أي: مطين.
قوله: {خِتَامُهُ} أي: طينة مسك.
قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام الدنيا طين.
وقرأ الكسائي: "خَاتَمهُ" بفتح التاء بعد الألف.
والباقون: بتقديمها على الألف.
فوجه قراءة الكسائي: أنه جعله اسماً لما يختم به الكأس، بدليل قوله: "مَخْتُوم". ثم بين الخاتم ما هو، فروي عن الكسائي أيضاً: كسر التاء، فيكون كقوله تعالى:
{ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ } [الأحزاب: 40]، والمعنى: خاتم رائحته مسك ووجه قراءة الجماعة: أن الختام هو الطين الذي يختم به الشيء، فجعل بدله المسك.
قال الشاعر: [الوافر]

5130- كَأَنَّ مُشعْشَعاً مِنْ خَمْرِ بُصْرَى نَمَتْهُ البَحْتُ مَشْدُودَ الخِتَامِ

وقيل: خلطه ومزاجه.
وقيل: خاتمته أي: مقطع شربه يجد الإنسان فيه ريح المسك.
قيل: سُمِّي المسك مسْكاً؛ لأن الغزال يُمسكه في سُرَّته، والمساكةُ: البُخْلُ وحبس المال، يقال: رجل مَسِيكٌ لبخله، والمَسْكُ: الجلد لإمساكه ما فيه، والمَاسِكَة: التي أخطأت خافضتُها فأصابت من مسكها غير موضع الختان، والمَسَكة: سوار من قرن أو عاجٍ لتماسكه والمسكة - بضم الميم -: الشَّيء القليل، يقال: ما له مُسْكَة، أي: عقل.
قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. التَّنافسُ: المُغالبة في الشيء النفيس، يقال: نفستُه به نفاسة، أي: بخلت به، وأصله من النَّفْسِ لعزتها.
قال الواحديّ: نفستُ الشيء أنفسُه نفاسةً: بَخِلْتُ به.
وقال البغوي: وأصله من الشيء النَّفِيس أي: تحرص عليه نفوس النَّاس، ويريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي: يضنّ، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى.
وقال مجاهد: فليعمل العاملون، كقوله تعالى:
{ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ } [الصافات: 61].
وقال عطاء: فليستبق المستبقون.
وقال مقاتلُ بن سليمان: فليتنازع المتنازعون.
قوله: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ}، التسنيم: علمٌ لعينٍ في الجنَّة.
فصل في المراد بالتسنيم
قال الزمخشريُّ: "التسنيم" علمٌ لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنَّمه، إذا رفعه.
قال شهاب الدِّين: وفيه نظر؛ لأنه كان من حقه أن يمنع الصَّرف للعلمية والتأنيث، وإن كان مجازياً، ولا يقدح في ذلك كونه مذكر الأصل؛ لأن العبرة بحال العلمية، ألا ترى أنهم نصّوا على أنَّه لو سمي بـ "زيد" امرأة وجب المنع، وإن كان في "هِنْد" وجهان، اللهم إلا أن يقول: ذهب بها مذهب النهر، ونحوه، فيكون كـ "واسط، ودانق".
فصل في معنى التسنيم
التسنيم: شرابٌ ينصبُّ عليهم من علوٍّ في غرفهم ومنازلهم.
وقيل: يجري في الهواء منسماً فينصبُّ في أوانيهم فيملأها.
قال قتادة: وأصل الكلمة من العلو، ويقال للشيء المرتفع سنامٌ، ومنه سنامُ البعيرِ، وتسمنتُ الحائط: إذا علوته.
وقال الضحاك: هو شراب اسمه: تسنيمٌ، وهو من أشرف الشراب.
قال ابنُ مسعودٍ وابن عباسٍ: هو خالص للمقربين يشربونها، ويمزج لسائر أهل الجنَّة، وهو قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ}.
وعن ابن عباس: أنَّه سُئِلَ عن قوله تعالى: {مِن تَسْنِيمٍ} قال: هذا ما قال الله تعالى:
{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } [السجدة: 17].
قوله: {عَيْناً}. فيه أوجه:
أحدها: أنَّه حالٌ.
قال الزجاج: يعني من تسنيم، لأنه علم لشيء بعينه، إلا أنه يشكل بكونه جامداً.
الثاني: أنه منصوب على المدح. قاله الزمخشري.
الثالث: أنَّها منصوبة بـ "يُسْقونَ" مقدراً. قاله الأخفش.
وقوله: {يَشْرَبُ بِهَا} أي: منها، والباء زائدة، أو ضمير "يشرب" بمعنى يروى، وتقدم هذا مشبعاً في "هل أتى".
قال البغوي: التقدير: يشربها المقربون صرفاً.
قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ}، أي: أشركوا، يعني: كفَّار قريش أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل من مترفي "مكة".
{كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عمَّار، وخبَّاب، وصهيب، وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين "يَضْحَكُون" استهزاء بهم.
وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ} متعلِّق بـ "يضحكون" أي: من أجلهم، وقدم لأجل الفواصل.
قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} يعني: المؤمنين بالكفار "يَتَغَامَزُونَ"، والغَمْز: الإشارة بالجفنِ والحاجبِ، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وقيل: الغمزُ بمعنى: العيب يقال: غمزهُ، أي: عابه، وما في فلان غميزٌ، أي: ما يعابُ به.
قوله تعالى: {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ} يعني: الكفار {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} معجبين بما هم فيه، يتفكَّهُونَ تذكرهم بالسُّوءِ.
وقرأ حفص: "فكهين" دون ألف.
والباقون: بها.
فقيل: هما بمعنى، وقيل: "فكهين" أشرين، و "فاكهين" من التفكه.
وقيل: "فكهين" فرحين و "فاكهين" ناعمين.
وقيل: "فاكهين" أصحاب فاكهة ومزاح.
قوله: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ}. يجوز أن يكون المرفوع للكفَّار، والمنصوب للمؤمنين، أي: أن الكفار إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} أي: يأتون محمداً المختار، يرون أنهم على شيء، أي: هم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شراب لا يدري هل له وجود أم لا؟ ويجوز العكس، وكذلك الضميران في {أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ} يعني: المشركين عليهم، والمعنى: {وَمَآ أُرْسِلُواْ} يعني المشركين "عليهم" يعني المؤمنين "حافظين" أعمالهم، لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. "فاليوم": منصوب بـ "يَضْحَكُون"، ولا يضرّ تقديمه على المبتدأ، لأنه لو تقدم هان العامل لجاز، إذ لا لبس بخلاف "زيد قائم في الدار" لا يجوز "في الدار زيد قائم".
ومعنى، "فاليوم" أي: في الآخرة يضحك المؤمنون من الكافرين، وفي سبب هذا الضحك وجوه:
منها: أنَّ الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، بسبب ما هم فيه من التضرر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين، بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء.
ومنها: أنَّهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني.
ومنها: أنَّهم دخلوا الجنة، أجلسُوا على الأرائكِ ينظرون إلى الكفَّار كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور، ويلعن بعضهم بعضاً.
ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار - وهم فيها - اخرجوا، ويفتحُ، لهم أبوابها، فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج, والمؤمنون ينظرون إليهم, فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك سبب الضحاك.
قوله: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}: الجار متعلقٌ بـ "ينظرون"، و "ينظرون": حال من "يضحكون"، أي: يضحكون ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الهوان.
قوله: {هَلْ ثُوِّبَ}. يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية معلقة للنظر قبلها، فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض بـ "ينظرون".
وقيل: استئناف لا موضع له، ويجوز أن يكون على إضمار القول: أي: يقولون: هل ثوب، ومعنى "ثُوِّب" أي: جُوزيَ، يقال: ثوَّبهُ وأثابهُ.
قال: [الطويل]

5131- سَأجزِيكَ أو يَجْزيكَ عنِّي مُثوِّبٌ وحَسْبُكَ أنْ يُثْنَى عَليْكَ وتُحْمَدَا

ويدغم أبو عمرو والكسائي وحمزة: لام "هل" في الثناء.
قوله: "ما كانوا" فيه حذف، أي: ثواب ما كانوا، أو موصول اسمي أو حرفي.
قال المبرد: "ثوب" فعل من الثواب، وهو ما ثوب، يرجع على فاعله جزاء ما علمه من خير، أو شر، والثَّوابُ: يستعمل في المكافأة بالشَّر.
وأنشد أبو عبيدة: [الوافر]

5132- ألاَ أَبْلِغْ أبَا حَسنٍ رَسُولاً فمَا لَكَ لا يَجِيءُ إلَى الثَّوابِ

وثوَّب وأثاب بمعنى واحد، والأولى أن يحمل على سبيل التَّهكُّم، كقوله: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } [الدخان: 49]، كأنه - تعالى - يقول للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على استهزائهم بطريقتكم كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة، فيكون هذا القول زائداً في سرورهم والله أعلم.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَرَأَ سُورَة المُطَفِّفِين سقاهُ اللهُ من الرَّحيقِ المختُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ" .