التفاسير

< >
عرض

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
٢
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
٣
وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ
٤
فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ
٥
-الأعلى

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}. يستحب للقارئ إذا قرأ: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أن يقول عقيبه: "سبحان ربي الأعلى" كذا جاء في الحديث، وقال جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابنُ عباسٍ والسديُّ: معنى "سبح اسم ربك الأعلى" أي: عظِّم ربك الأعلى، والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى.
كقول لبيد: [الطويل]

5175- إلَى الحَـوْلِ ثُـمَّ اسْـمُ السَّـلامِ عَليْكُمَـا.................................

[وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقوله الملحدون، وذكره الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى على أن تسمي به أحداً سواه.
وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظّم لذكره، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية].
قال ابن الخطيب: معنى {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أي: نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي أحكامه.
أمَّا في ذاته، فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض.
وأما في صفاته، فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة.
وأمَّا في أفعاله، فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور.
وقالت المعتزلة: هو أن تعتقد أن كل ما فعله صواب حسن، وأنه سبحانه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، وأما في أسمائه: فأن لا تذكره - سبحانه وتعالى - إلاَّ بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها أو لم يرد.
وأمَّا في أحكامه: فهو أن تعلم أن ما كلفنا به ليس لنفعٍ يعود إليه، بل لمحض المالكية على قولنا، او لرعاية مصالح العباد على قول المعتزلة.
فصل فيمن استدل بالآية على أن الاسم نفس المسمى
قال ابن الخطيب: تُمسِّك بهذه الآية في أن الاسم نفس المسمى.
وأقول: الخوض في هذه المسألة لا يمكن إلا بعد الكشف عن محل النزاع، فنقول: إن كان الاسم عبارة عن اللفظ؛ والمسمى عبارة عن الذات، فليس الاسم المسمى بالضرورة، فكيف يمكن الاستدلال على ما علم بالضرورة؟ نعم هنا نكتة، وهي أن الاسم هو اللفظ الدَّال على معنى في نفسه من غير زمن، والاسم كذلك، فيكون اسماً لنفسه، فالاسم هنا نفس المسمى، فعلى هذا يَرِدُ من أطلق ذلك؛ لأن الحكم بالتعميم خطأ، والمراد: الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى هو أن أحداً لا يقول: سبحان الله وسبحان اسم ربنا، فمعنى "سبح اسم ربك" سبح ربك، والربُّ أيضاً اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
وهذا الاستدلال ضعيف، لما بيَّنا أنه يمكن أن يكون وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد: سبح المسمى، وذكر الاسم صلة فيه، ويكون المراد: سبح باسم ربك، كما قال تعالى:
{ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 74]، ويكون المعنى: سبح بذكر أسمائه.
فصل في تفسير الآية
روى أبو صالحٍ عن ابن عباس - رضي الله عنه -: صلِّ بأمر ربك الأعلى قال: وهو أن يقول: "سُبحانَ ربيّ الأعْلَى" وروي عن عليّ - رضي الله عنه - وابن عباسٍ، وابن عمر وابن الزبيرِ، وأبي موسى، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة، قالوا: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى" وامتثالاً لأمره في ابتدائها، فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم، لا أن سبحان ربيّ الأعلى من القرآن، كما قاله بعض أهل الزَّيْغ.
وقيل: إنَّها في قراءة أبيّ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى".
وروى ابن الأنباري بإسناده إلى عيسى بن عمر عن أبيهِ، قال: قرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الصلاة: "سَبِّح اسْمَ رَبِّك الأعْلَى"، ثم قال: سبحان ربي الأعلى، فلما انقضت الصلاة، قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الأعلى، قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته.
وعن عقبى بن عامرٍ الجهنيِّ، قال:
"لما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجْعَلُوهَا في سُجودِكُمْ" .
قال القرطبيُّ: "هذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: سبحان اسم ربي الأعلى".
وقيل: معناه: ارفع صوتك بذكر ربك؛ قال جرير: [الكامل]

5276- قَبَحَ الإلهُ وجُوهَ تَغْلبَ كُلَّمَا سَبحَ الحَجيجُ وكبَّرُوا تَكْبِيرَا

قوله: "الأعلى": يجوز جره: "صفة" لـ "ربك"، ونصبه صفة لـ "اسم"، إلا أن هذا يمنع أن يكون "الذي" صفة لـ "ربك"، بل يتعين جعله نعتاً لـ "اسم"، أو مقطوعاً لئلا يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بصفة غيره؛ إذ يصير التركيب، مثل قولك: جاءني غلامُ هندٍ العاقلُ الحسنة، فيفصل بـ "العاقل" بين "هند" وبين صفتها. وتقدم الكلام في إضافة الاسم إلى المسمى.
قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ}.
قال ابن الخطيب: يحتمل أن يريد النَّاس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه الله تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً:
أحدها: اعتدال قامته، وحسن خلقته على ما قال تعالى:
{ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14].
وثانيها: أن كل حيوان مستعد لنوعٍ واحدٍ من الأعمال فقط، وأما الإنسان، فإنه خلقه بحيثُ يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات.
وثالثها: أنه - تعالى - هيأه للتكليف، والقيام بأداء العبادات.
قال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء، وسوَّى في أرحام الأمهات، ومن حمله على جميع الحيوانات، فمعناه: أنه أعطى كلَّ حيوان ما يحتاج إليه من آلاتٍ، وأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية هو أنه - تعالى - قادر على كل الممكنات، علم بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفاً بالإحكام والإتقان، مبرأ عن النقص والاضطراب.
قوله: {وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}؛ قرأ الكسائيُّ وعليٌّ - رضي الله عنه - والسلميُّ: "قدر" بتخفيف الدال، والباقون: بالتشديد.
والمعنى: قدر كل شيء بمقدار معلوم.
ومن خفف، قال القفَّال: معناه: ملك فهدى، وتأويله: انه تعالى خلق كل شيء، فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد هذا هو الملك، فهداه لمنافعه ومصالحه.
ومنهم من قال: إنهما لغتان بمعنى واحدٍ، وعليه قوله تعالى:
{ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ } [المرسلات: 23] بالتشديد والتخفيف، وقد تقدم.
فصل في معنى الآية
قال مجاهدٌ: قدَّر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، وعنه: هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها.
وقيل: قدَّر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم وإن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً.
وعن ابن عبَّاسٍ والسديِّ ومقاتلٍ والكلبيِّ في قوله تعالى: "فَهدَى": عرف خلقه كيف يأتي الذكرُ الأنثى، كما قال تعالى في سورة "طه":
{ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50]، أي: الذكر للأنثى.
وقال عطاء: جعل لكل دابَّة ما يصلحها، وهداها له.
وقيل: "قدَّر فَهَدى" أي: قدّر لكل حيوانٍ ما يصلحه، فهداهُ إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، يقال: إن الأفعى إذا أتت عليها ألفُ سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى، أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض، يرد إليها بصرها، فربما كانت في بريَّة بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوى تلك المسافة على طولها، وعماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرَّازيانج، لا تخطئها، فتحك بها عينها، فترجع باصرة بإذن الله تعالى.
[وهدايات الإنسان إلى أن مصالحه من أغذيته وأدويته، وأمور دنياه ودينه وإلهامات البهائم والطيور، وهوام الأرض باب ثابت واسع، فسبحان ربي الأعلى].
وقال السديُّ: قدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه إلى الخروج من الرحم.
وقال الفراء: "قدَّى فهَدى" أي: وأضل، فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله:
{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81]، ويحتمل أن يكون بمعنى "دَعَا" إلى الإيمان كقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52] أي لتدعو وقد دعا الكل إلى الإيمان].
وقيل: "فَهَدَى" أي: دلَّهم بأفعاله على توحيده وكونه عالماً قادراً.
واعلم أن الاستدلال بالخلق وبالهدى، هي معتمد الأنبياء.
قال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -:
{ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [الشعراء: 78].
وقال موسى - عليه الصلاة والسلام - لفرعون:
{ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50]، وقال هنا ذلك، وإنما خصت هذه الطريقة لوضوحها وكثرة عجائبها.
قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ}، أي: النبات، لما ذكر سبحانه ما يختص بالناس، أتبعه بما يختص بسائر الحيوان من النعم، أي: هو القادر على إنبات العشب، لا كلأصنام التي عبدتها الكفرةُ، والمرعى: ما تخرجه الأرض من النبات، والثمار، والزروع، والحشيش.
قال ابنُ عبَّاسٍ: "المرعى": الكلأ الأخضر.
قوله: {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ}. "غثاء": إما مفعول ثانٍ: وإما حال.
"والغُثَّاء": - بتشديد الثاء وتخفيفها - وهو الصحيح، ما يغترفه السيل على جوانب الوادي من النبات ونحوه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]

5177- كَأنَّ طَميَّاتِ المُجيمِرِ غُدوَةً مِن السَّيْلِ والأغْثَاءِ فلكةُ مِغْزَلِ

ورواه الفراء: "والأغثاء" على الجمع، وفيه غرابة من حيث جمع "فعالاً" على "أفعال".
قوله تعالى: {أَحْوَىٰ}. فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نعت لـ "غثاء".
والثاني: أنه حال من المرعى.
قال أبو البقاء: "فقدَّم بعض الصلة"، يعني: ان الأصل أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء.
قال شهابُ الدِّين: ولا يسمى هذا تقديماً لبعض الصلة.
والأحْوَى: "أفعل" من الحُوَّة، وهي سوادٌ يضرب إلى الخُضْرَة؛ قال ذو الرُّمَّة: [البسيط]

5178- لـمْيَــاءُ فِــي شَفتيْـهَــا حُــوَّةٌ لَـعَــسٌ وفِـي اللِّثـاتِ وفـي أنْيَابِهَـا شَنَـبُ

وقد استدلَّ بعض النحاة على وجود بدل الغلط بهذا البيت.
وقيل: خضرة عليها سواد، والأحْوَى" الظبي؛ لأن في ظهره خطَّين؛ قال: [الطويل]

5179- وفِي الحيِّ أحْوَى يَنفضُ المَرْدَ شَادِنٌ مُظَاهِـرُ سِمْطَـيْ لُـؤلـؤٍ وزَبَرْجَـدِ

ويقال: رجل أحْوَى، وامرأة حوَّاءُ، وجمعهما "حُوٌّ" نحو: أحْمَر وحَمْراء وحُمْر، قال القرطبيُّ: "وفي الصِّحاح": "والحُوَّةُ: حمرة الشفة، يقال: رجل أحْوَى وامرأة حوَّاء وقد حويتُ، وبعير أحْوَى: إذا خالط خضرته سواد وصُفْرَة، قال: وتصغير أحْوَى: أحَيْوٍ في لغة من قال: أسَيْود".
قال عبد الرحمن بن زيدٍ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى للكُفَّار لذهاب الدنيا بعد نضارتها، والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته.
وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه، والرطب إذا يبس اسود.