التفاسير

< >
عرض

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ
١
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٢
ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ
٣
ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ
٤
عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
٥
-العلق

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {ٱقْرَأْ}، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: "اقر" بحذف الألف قياساً على حذفها من "اسع".
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]

5253-............................. وإلاَّ يُبْـــدَ بالـظُّلْــمِ يَظْــلِـــــمِ

وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: {بِٱسْمِ رَبِّكَ}، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]

5254-............................ سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ

قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى "عَلَى"، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى:
{ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ } [هود: 41]، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في "بسم الله الرحمن الرحيم" وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة].
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على "حِرَاء"، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل:
{ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } [المدثر: 1].
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن:
{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [الأنعام: 151].
قال القرطبيُّ: "الصحيح الأول".
قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رضي الله عنها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعدها "ن، والقلم" ثم بعدها
{ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } [المدثر: 1]، ثم بعدها "والضُّحَى"، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: "اقْرَأ" أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ}، يجوز أن يكون "خَلَقَ" الثاني تفسيراً لـ "خَلَقَ" الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً بـ "خَلَقَ الإنْسَانَ" تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: {مِنْ عَلَقٍ} جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر "العَلَق" بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟.
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: "ربك"، وقال في موضع آخر:
{ سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صلى الله عليه وسلم: "عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ" ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: { سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } [الإسراء: 1].
فقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ} كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}، فقوله تعالى: {ٱقْرَأْ} تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ]. [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه].
قوله: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال:
"قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ" .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام, فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه الصلاة والسلام.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عليه الصلاة والسلام.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة" .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ" .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
قيل: الإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى:
{ وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: 31].
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:
{ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [النساء: 113].
وقيل: عام، لقوله تعالى:
{ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً } [النحل: 78]، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.