التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ
١٥
-هود

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع الإنكار له، فكان كأنه قيل: أيقولون ذلك تعنتاً منهم واقتراحاً وإعراضاً عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل {أم يقولون} أي مكررين {افتراه} فكان ذلك موضع أن يقال: نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل} أي لهم على سبيل التنزل {فأتوا} يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من يزيد عليَّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر {بعشر سور} أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه {مثله} أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها {مفتريات} أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره البغوي عن المبرد، وقد مضى في البقرة عند {فأتوا بسورة من مثله} عن الجاحظ وغيره ما يؤيده؛ قال أبو حيان: وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال: افعل مثلاً واحداً - انتهى. فكأنهم تحدوا أولاً بجميع القرآن في مثل قوله: { فليأتوا بحديث مثله } [الطور: 34] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئاً في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى: { قل لو اجتمعت الإنس والجن } [الإسراء: 88] تبكيتاً لهم وإخزاء وبعثاً على ذلك وإغراء، ثم تحدوا في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها بالتفصيل إلى السور تخفيفاً عليهم واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا بعشر مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقروناً ذلك بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24]، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمراً بالافتراء لأنه تحدّ فهو للتعجيز وقوله: {وادعوا من استطعتم} أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال: {من دون الله} أي الملك الأعلى. وأشار إلى عجزهم بقوله: {إن كنتم صادقين*} وفي ذلك زيادة بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى.
ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئاً له يأتيهم بمثله ثبت قطعاً أن هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطباً للجميع بخلاف ما في القصص إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة: {فإن لم يستجيبوا لكم} أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها {فاعلموا} أيها الناس كافة {أنما أنزل} أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبساً {بعلم الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بمقتضى أن محمداً واحد منهم تمع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلاً عن أن يكون مخترعاً له، ويجوز أن يكون ضمير {يستجيبوا} لـ "من" {من استطعتم} و {لكم} للمشركين، وكذا في قوله: فاعلموا و {أنتم} {وأن} أي واعلموا أن {لا إله إلا هو} فإنه لو كان معه إله آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم.
ولما كان هذا دليلاً قطعياً على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله مرغباً مرهباً: {فهل أنتم مسلمون*} أي منقادون أتم انقياد.
ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله: {من كان يريد} أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره {الحياة الدنيا} أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها {وزينتها} فأخلد إليها لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها {نوف} موصلين {إليهم أعمالهم} أي جزاءها {فيها} أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك {وهم فيها} أي في الأعمال أو الدنيا {لا يبخسون*} أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معاً، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم.