التفاسير

< >
عرض

سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
١٤٢
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
١٤٣
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٤٤
-البقرة

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له بما قبله على وجه أعم. {سيقول} إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: {السفهاء} ولم يقل: سيقولون، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل دليلاً، وأكد الوصف بالطيش بقوله: {من الناس} المأخوذ من النوس وهو التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك {ما ولاهم} ولم يقولوا: مَن، زيادة في الأذى بالاحتقار {عن قبلتهم}. قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه {التي كانوا عليها} أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: { { كونوا هوداً أو نصارى } } [البقرة: 135] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: {قل} خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله: { { قل أتخذتم عند الله عهداً } } [البقرة: 80] { { قل هاتوا برهانكم } } [البقرة: 111] ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان منهم على وفق الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، وإخباره بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه. وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم { { ألا إنهم هم السفهاء } } [البقرة: 13]، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه: وإلى قوله قريباً { { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } } [البقرة: 130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: {لله} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً {المشرق والمغرب} مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق.
ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله معظماً لأهل الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم: {يهدي إليه من يشاء} أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: {إلى صراط المستقيم} في أي جهة كانت، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه "أل" من الكمال.
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى {جعلناكم} بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به {أمة}. قال الحرالي: من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمماً، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. {وسطاً} أي شريفة خياراً، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي.

كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، وكذا كان ظرفاً، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني. ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن أكثر المخلوقات كُريّ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين كان ظرفاً أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان؛ ووسطه قطّعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد، ووسط القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس واد بديار هوازن لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن. ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل، والفرس ركب رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر، والوطيس التنور وحرّ الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككَتّاب الراعي، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوَّط أخرج ذلك، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به وطسى كرضى طسا غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوّة، وسطت الشيء بالسوط ضربته به، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، والمسواط فرس لا يعطى حُضره إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى.
ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال: {لتكونوا} أي أنتم لا غيركم {شهداء} كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: {على الناس} أي كافة. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال: {ويكون الرسول} أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط {عليكم} خاصة {شهيداً} بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس، وبأنه قد بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك.
ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد {القبلة} قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. وبين أنها الأولى بقوله: {التي كنت عليها} وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله: {إلا لنعلم} أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها {من يتبع الرسول} في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه {ممن ينقلب} أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكساً {على عقبيه} علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي: لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى.
ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال: {وإن كانت} أي الجعلة {لكبيرة} أي ثقيلة شاقة جداً لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال: {إلا على الذين هدى الله} أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة.
ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال: {وما كان الله} الذي له الكمال المطلق {ليضيع} قال الحرالي: مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة {إيمانكم} أي المصرح به في قولكم:
{ { آمنا بالله } } [البقرة: 8] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم: { { ونحن له مخلصون } } [البقرة: 139] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده.
ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {بالناس} أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة {لرءوف} أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال: والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى. وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه {رحيم} لمن يشاء ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا.
ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك} قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولاً لكافة الناس وكان صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به {قد} بالتقليل للتقلب وللرؤية {في السماء} فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء
"ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال: "حتى رأينا عفرة إبطيه" - انتهى ملخصاً. {فلنولينَّك} أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك من غير شك {قبلة} قال الحرالي: نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي قوله: {ترضاها} إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضىً إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله: {فول وجهك}، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب للغيب والظاهر للظاهر، {شطر} أي عين {المسجد} كما استدل الشافعيرحمه الله في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معايناً فبالصواب وإن كان مغيباً فبالاجتهاد {الحرام} وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال الحرالي: سماه الله حراماً لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراماً على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود، وسيأتي عند { { يسألونك عن الشهر الحرام } } [البقرة: 217] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين" ولما بشره سبحانه بالتحويل أولاً وأوقع المبشر به ثانياً أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: {وحيث ما كنتم} أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها {فولوا وجوهكم شطره} بتوجيه قلوبكم إليّ.
ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: {وإن الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: {ليعلمون أنه} أي هذا التحويل {الحق} أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلاً {من ربهم} أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتاً وتقوية لعزائمهم وتمكيناً حيث ختم الآية بقوله: {وما الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بغافل عما يعملون} قال الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضاً عنهم، وبالتاء إقبالاً عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.