التفاسير

< >
عرض

ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
٧٠
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٧١
وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٧٢
لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ
٧٣
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
٧٤
لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
٧٥
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ
٧٦
وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ
٧٧
-الزخرف

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر ما لهم بشارة لهم وترغيباً لغيرهم في اللحاق بهم على وجه فيه إجمال، شرح ذلك بقوله: {ادخلوا الجنة} ولما كانت الدار لا تكمل إلا بالرفيق السار، قال تعالى: {أنتم وأزواجكم} أي نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله {كانوا مسلمين} {تحبرون} أي تكرمون وتزينون فتسرون سروراً يظهر أثره عليكم مستمراً يتجدد أبداً.
ولما كان هذا أمراً سائقاً إلى حالهم سابقاً لمن كان واقفاً عنهم إلى وصالهم، أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو مال محركاً لما جهل منه، ومنبهاً على ما غفل عنه، فقال عائداً إلى الغيبة ترغيباً في التقوى: {يطاف عليهم} أي المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ملوكاً {بصحاف} جمع صحفة وهي القصعة {من ذهب} فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم.
ولما كانت آنية الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل، جرى على ذلك المعهود، فعبر بجمع القلة في قوله: {وأكواب} جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له، قد تفوق عن شيء منه اليد أو الشفقة أو يلزم منها بشاعة في شيء من دائر الكوز، وإيذاناً بأنه لا حاجة أصلاً إلى تعليق شيء لتزيد أوصافه عن أذى أو نحو ذلك.
ولما رغب فيها بهذه المغيبات، أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة إلى الدخول فيما يخصها فقال: {وفيها} أي الجنة. ولما كانت اللذة محصورة في المشتهى قال تعالى: {ما تشتهيه الأنفس} من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا، ولما كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم، خصها فقال: {وتلذ الأعين} من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم تعالى، جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق.
ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام، قال عائداً إلى الخطاب لأنه أشرف وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب، والملتفت إليهم بالترغيب في هذا الثواب، بشارة لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بما قدمه في أول السورة وأثنائها من بلوغ قومه نهاية العقل والعلم والموصلين إلى أحسن العمل الموجب للسعادة: {وأنتم فيها خالدون} لبقائها وبقاء كل ما فيها، فلا كلفة عليكم أصلاً من خوف من زوال ولا حزن من فوات.
ولما كان التقدير: الجنة التي لمثلها يعمل العاملون، عطف عليه قوله مشيراً إلى فخامتها بأداة البعد: {وتلك الجنة} أي العالية المقام {التي} ولما كان الإرث أمكن للملك، وكان مطمح النفوس إلى المكنة في الشيء مطلقاً لا يبعد، بني للمفعول قوله تعالى: {أورثتموها} ولما كان ما حصله الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسرورة بالتمتع به وبالعمل الذي كان من سببه، قال تعالى: {بما} وبين أن العمل كان لهم كالجبلة التي جبلوا عليها، فالمنّة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم بقوله: {كنتم تعملون} أي مواظبين على ذلك لا تفترون. ولما كان الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات، قال تعالى مبيناً أن جميع أكلهم تفكه ليس فيه شيء تقوتاً لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ بالأكل ولا ضعف {لكم فيها فاكهة} أي ما يؤكل تفكهاً وإن كان لحماً وخبزاً. ولما كان ما يتفكه في الدنيا قليلاً قال تعالى: {كثيرة} ودل مع الكثرة على دوام النعمة بقصد التفكه بكل شيء فيها بقوله: {منها} أي لا من غيرها مما يلحظ فيه التقوت {تأكلون} فلا تنفد أبداً ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء النابع، لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله أو أكثر منه في الحال.
ولما ذكر ما للقسم الثاني من الإخلاء وهم المتقون ترغيباً لهم في التقوى، أتبعه ما لأضدادهم اهل القسم الأول تحذيراً من مثل أعمالهم، فقال استئنافاً مؤكداً في مقابلة إنكارهم: {إن المجرمين} أي الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل {في عذاب جهنم} أي النار التي من شأنها لقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى {خالدون} لأن إجرامهم كان طبعاً لهم لا ينفكون عنه أصلاً ما بقوا.
ولما بين إحاطته بهم إحاطة الظرف بمظروفه، وكان من المعلوم أن النار لا تفتر عمن لابسته إلا بمفتر بمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو غير ذلك خرقاً للعادة، بين أن لا يعتريها نقصان أصلاً كما يعهد في عذاب الدنيا لأنهم هم وقودها فقال تعالى: {لا يفتر عنهم} أي يقصد إضعافه بنوع من الضعف، فنفي التفتير نفي للفتور من غير عكس، قال البيضاوي: وهو من فترت عنه الحمى - إذا سكنت، والتركيب للضعف.
ولما كان انتظار الفرج مما يخفف عن المتضايق، نفاه بقوله: {وهم فيه مبلسون *} أي ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج.
ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر وأكثر مما يستحقونه، أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على نفسوهم ووقوعهم في منادمات الندامات: {وما ظلمناهم} نوعاً من الظلم لأنه تعالى مستحيل في حقه الظلم {ولكن كانوا} جبلة وطبعاً وعملاً وصنعاً دائماً {هم} أي خاصة {الظالمين} لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك بقوا، والأعمال بالنيات، ولو كانوا يقدرون على أن لا يموتوا لما ماتوا.
ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت، أعلم بأن سكوتهم ليس دائماً لأن الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف عنه بعد الألم، فقال مبيناً أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب الملك، وأنهم مع علمهم باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين للمحالات في الدنيا ليكون ذلك زيادة في المهم: {ونادوا} ثم بين أن المنادي خازن النار فقال مؤكداً لبيان البعد بأداته: {يا مالك} وقراءة "يا مال" للإشارة إلى أن العذاب أوهنهم عن إتمام الكلام، ولذا قالوا: {ليقض علينا} أي سله سؤالاً حتماً أن القضاء الي لا قضاء مثله، وهو الموت على كل وحد منا، وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا: {ربك} أي المحسن إليك فلم يروا لله عليهم إحساناً وهم في تلك الحالة، فلا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلاً، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحداً منهم فوق استحقاقه، ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة درجات، ويجوز أن تكون عبارتهم بذلك تغييظاً له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير فيه، ونداؤهم لا ينافي إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس، فسكوتهم المقيد باليأس دائم، فلذلك سألوا الموت، والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج بل هم ساكتون أبداً عن ذلك... اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين.
ولما ذكر نداءهم، استأنف ذكر جوابهم بقوله: {قال} أي مالك عليه الصلاة والسلام مؤكداً لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة بغيرهم {إنكم ماكثون}.