التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
٧٨
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
٧٩
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
٨٠
قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ
٨١
سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٨٢
فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ
٨٣
-الزخرف

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال {وإنه لعلم للساعة} وأكد أمرها وشرح بعض أحوالها إلى أن ختم بما دل على انحلال عزائمهم ولين شكائمهم، وكانوا غير مقرين بذلك، قال مؤكداً جواباً لمن يبصر بعض البصر فيقول: أحق هذا؟ ويتوقع الجواب: {لقد جئناكم} أي في هذه السورة خصوصاً وجميع القرآن عموماً، سمى مجيء الرسل مجيئاً لهم لما لمجيئهم من العظمة التي أشارت إليها النون {بالحق} الكامل في الحقية، ولما كان ظهور حقيته بحيث لا يخفى على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب تريان الأشياء على غير ما هي عليه، قال إشارة إلى ذلك: {ولكن أكثركم} أي أيها المخاطبون {للحق كارهون *} لما فيه من المنع عن الشهوات فلذلك أنتم تقولون: إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط، لا لأجل أن في حقيته نوعاً من الخفاء.
ولما كان هذا خبراً لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا الرجوع، وكان من لا يرجع إنما يريد بمحاربة الإله الأعظم، قال عادلاً عن الخطاب إنزالاً لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه معادلاً لما تقديره: أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر {أم أبرموا} أي أحكموا {أمراً} في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم.
ولما كان سبحانه مطلعاً بطية أمرهم وغائب سرهم، سبب عما سأل عنه من إبرامهم ما دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما يزيله ويعدمه ويحيله، على سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال: {فإنا مبرمون} أي دائماً للأمور لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا، تلك صفتنا التي لا تحول بوجه: العلم والقدرة والإرادة، لم يتجدد لنا شيء لم يكن.
ولما كان إصرارهم بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته وهو عليم بالمساترة والمماكرة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة قال تعالى: {أم يحسبون أنا} على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات الكمال {لا نسمع} ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي والجلي، نسبة كل منهما إليه على السواء، ذكرهما وقدم من شأنه أن يخفي وهو المكر المشار إليه بالإبرام، لأن السياق له فقال تعالى: {سرهم} أي كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يعصينا، ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعم ما في الضمائر وهي مما يعلم، حقق أن المراد به حقيقته بقوله: {ونجواهم} أي كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان عال، فعلم أن المراد حقيقة السمع، وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ولو لم يكن في قدرتنا نحن سماعه، فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه نحن من الجهر ولا يسمعه هو لفقد قوة السمع فيه، لا لأنه مما من حقه ألا يسمع.
ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع، صرح به فقال: {بلى} أي نسمع الصنفين كليهما على حد سواء {ورسلنا} وهم الحفظة من الملائكة على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا. ولما كان حضور الملائكة معنا وكتابتهم لجميع أعمالنا على وجه لا نحس به نوع أحساس أمراً هو في غاية الغرابة، قال معبراً بلدى التي يعبر بها عبر اشتداد الغرابة: {لديهم يكتبون} أي يجددون الكتابة كلما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد، لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته.
ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعاءهم لله ولداً من الملائكة وهددهم بقوله {ستكتب شهادتهم ويسألون} وذكر شبههم في قولهم {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} وجهلهم فيها بقوله {ما لهم بذلك من علم} ونفى أن يكون لهم على ذلك دليل سمعي بقوله منكراً موبخاً {أم آتيناهم كتاباً} ومر في توهية أمرهم في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضاً على ما تقدم إلى ما تمم نفي الدليل السمعي على طريق النشر المشوش بقوله تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا}، ونظم به ما أتى به رسوله أهل الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا من التوحيد وما هدد به من أعراض عنه إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال أصلاً لشيء منه، وأن رسله سبحانه تكتب جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة وغيرها، أعاد الكلام في إبطال شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعة لم يشأها الذي له عموم الرحمة لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو محرم، فقال بعد أن نفى قوله {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} أن يكون لهم دليل سمعي على أحد من رسله عليهم الصلاة والسلام: {قل إن كان للرحمن} أي العام الرحمة {ولد} على ما زعمتم، والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة، وغيرهم في غيرهم، وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة الكثرة. ولما كان المعنى: فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده، ولو شاء الرحمن ما تركت عبادته، ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها، فإحداهما قطعاً مشيئة للباطل، وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقاً باطلاً في حال واحد من وجه واحد، وهو بديهي الاستحالة، فبطلت شبهتكم بدليل قطعي - هكذا كان الأصل، ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصاً ولا يعبد غيره، أنه لا يستحق اسم العبادة إلا ما كان له خالصاً، فقال: {فأنا} أي في الرتبة {أول العابدين *} للرحمن، العبادةَ التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة، أي فأنا لا أعبد غيره لا ولداً ولا غيره، ولم يشأ الرحمن لي أن أعبد الولد، أو يكون المعنى: أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص، لم أشرك به شيئاً أصلاً في وقت من الأوقات مما سميتموه ولداً أو شريكاً أو غيره، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص، ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمة، فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاء لي، ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي، ولو أن له ولداً لشاء لي عبادته، فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصاً له يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له، فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن "أن" نافية بمعنى: ما ينبغي أي ما كان له ولد، فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولداً، ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقرباً إليه بعبادة ولده.
ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان، وعلى آخر بشبهة أقوى منها، وظهر الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء وفعل ضده أو نقيضه، ومن المعلوم قطعاً أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين في آن واحد حقاً من وجه واحد، فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته، وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء من عباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء، كان موضع التنزيه عما نسبوه إليه من الباطل، فقال منزهاً على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد أصلاً: {سبحان رب} أي مبدع ومالك {السماوات} ولما كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر، لأنه أبعد عن النقص والنقيض، ولم يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر الجاثية، فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال: {والأرض} أي اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية.
ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلاً، قال محققاً لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العاطف لأن العرش من السماوات: {رب العرش} أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السماوات والأرض {عما يصفون} من أنه له ولد أو شريك.
ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان أغلوطتهم، عرف أنهم فاعلون بوضع الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب، فقال مسبباً عن ذلك: {فذرهم} أي اتركهم على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه، وقد لا يرضاه لكونه لا علم له به {ويلعبوا} أي يفعلوا فعل اللاعب في انهماكه في فعل ما ينقصه ولا يزيده {حتى يلاقوا} أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا {يومهم الذي يوعدون *} بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق تهديدهم.