التفاسير

< >
عرض

ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ
٢٠
مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
٢١
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
٢٢
وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ
٢٣
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ
٢٤
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
٢٥
فَأيْنَ تَذْهَبُونَ
٢٦
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
٢٧
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
٢٨
وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٩
-التكوير

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما اقتضى هذا القوة، صرح به تأكيداً فقال: {ذي قوة} أي على ضبط ما أرسل به بنفسه وعلى المدافعة للغير عن أن يدخل فيه شيئاً من نقص، وأكد القوة بقوله: {عند ذي العرش} أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عندية في الحقيقة إلا له {مكين *} أي بالغ المكنة عنده عظيم المنزلة جداً بليغ فيها فهو بحيث لا يتأتى منه تفريط ما في إبلاغ شيء مما أرسل به لأنه لا يغيره الأحوال ولا يعمل فيه تضاد الشهوات، لأنه لا شهوة له إلاّ ما يأمر به مرسله سبحانه وتعالى.
ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان، قال: {مطاع ثم} أي في الملأ الأعلى فهم عليهم السلام أطوع شيء له، قال الحسن: فرض الله على أهل السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كان ذلك يقتضي الأمانة، صرح بها فقال: {أمين *} أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهراً وفعلاً وحالاً، ومن كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلاّ في أمر مهم جداً لأن الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك، ولذلك ائتمنه الله تعالى على رسالته.
ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما يقوله كلام الله حقاً، وكانوا يصفونه بما هو في غاية النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك، أبطله مبكتاً لهم بالكذب وموبخاً بالبلادة بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه: {وما صاحبكم} أي الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين، وأعرق في النفي فقال: {بمجنون *} أي كما تبتهونه به من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام، بل جاء بالحق وصدق المرسلين، فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء، وهذا النفي المؤكد ثابت له دائماً على سبيل الاستغراق لكل زمان - هذا ما دل عليه الكلام لا ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بقية الملائكة، فإنه ما سيق لذلك ولا هو والله مما يرضي جبريل عليه السلام، قال الأصبهاني هنا: هذا يدل على فضله وأما أنه يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلم فلا يمكنه، وقال في قوله تعالى في البقرة:
{ وملائكته ورسله } [البقرة: 285]: ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على الرسل، وأما تقديم جبريل على ميكائيل فليس ببعيد أن يكون للشرف كما أن تخصيصهما بالذكر لفضلهما، وقال في النجم: ثم دنا جبريل من ربه عز وجل، وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث: "إن أقرب الملائكة إلى الله عز وجل جبريل عليه السلام" - انتهى. ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية لكن لم أجده أصلاً، وقال الأصبهاني في عم في قوله: { يوم يقوم الروح } [النبأ: 38] عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أعظم الملائكة خلقاً وأشرف منهم، وأقرب من رب العالمين - انتهى. فهذا كما ترى صريح في تفضيل الروح، وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض: ونزل جبريل عليه السلام بألف من الملائكة فكان في خمسمائة في الميمنة، وميكائيل عليه السلام في خمسمائة في الميسرة، ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف المذكورون في سورة آل عمران، وكان إسرافيل عليه السلام وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام - انتهى. وهذا يدل على شرف إسرافيل عليه السلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله - والله أعلم.
ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات، فكان التقدير بعد هذا النفي: فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع، ما التبس عليه فيه حق بباطل، عطف عليه الإخبار برفعه شأنه في رؤية ما لم يره غيره وأمانته وجوده فقال: {ولقد رآه} أي المرسل إليه وهو جبريل عليه الصلاة والسلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات، جامعاً إلى حس السمع حس البصر {بالأفق المبين *} أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى، حيث لا يكون لبس أصلاً، ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة، وقال البيضاوي: بمطلع الشمس الأعلى - يعني وهو مشرق الأنوار، والأفق: الناحية التي تفوق وتعلو.
ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ البصر، لم يبق إلا ما يتعلق بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله: {وما} أي سمعه ورآه والحال أنه ما {هو على الغيب} أي الأمر الغائب عنكم في النقل عنه ولا في غيره من باب الأولى {بضنين *} أي بمتهم، من الظنة وهي التهمة، كما يتهم الكاهن لأنه يخطىء في بعض ما يقول، فهو حقيق بأن يوثق بكل شيء يقوله في كل أحواله، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء، والمعنى في قراءة الباقين بالضاد: ببخيل كما يبخل الكاهن رغبة في الحلوان، بل هو حريص على أن يكون كل من أمته عالماً بكل ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ما بهتوه به، وكان الجنون أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم الكلام المنتظم في بعض الأوقات فنفاه لذلك، وكان قول الكاهن أظهر من الكهانة، نفى القول فقال: {وما هو} أي القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات، وأعرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال: {بقول شيطان}. ولما كان الشيطان لا ينفك عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط، وذلك يقتضي البعد والاحتراق، وصفه بما هو لازم له فقال: {رجيم *} أي مرجوم باللعن وغيره من الشهب لأجل استراق السمع مطرود عن ذلك، لأن القائل له ليس بكاهن كما تعلمون، وبقي مما قالوه السحر وهو لا يحتاج إلى نفيه لأنه ليس بقول، بل هو فعل صرف أو قول مقترن به، والأضغاث وهي لذلك واضحة العوار فلم يعدها، فمن علم هذه الأوصاف للقرآن والرسولين الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما، وبالغ في التعظيم والإجلال، وأقبل على تلاوته في كل أوقاته، وبالغ في السعي في كل ما يأمر به والهرب مما ينهى عنه، ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة من أتى به ورؤية من أتى من عنده.
ولما لم يدع وجهاً يلبس به على من لا يعرف حاله صلى الله عليه وسلم، سبب عنه قوله موبخاً منكراً: {فأين تذهبون *} أي بقلوبكم عن هذا الحق المبين يا أهل مكة المدعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ العظيم في الرسولين الملكي والبشري فمن أين يأتي ما تدعون من التخليط في هذا الكتاب العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه؟ وهو استضلال لهم واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ضلالهم معروفاً لا لبس فيه.
ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه بمثل هذا القول نظر أدنى نظر، فقال من غير وقفة: لا أين، قال: {إن} أي ما {هو} أي القرآن الذي أتاكم به {إلا ذكر للعالمين *} أي شرف للخلق كلهم من الجن والإنس والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم. ولما تشرف الوجود كله بإظهاره فيه نوع تشرف، أطلق هذه العبارة. ولما كان الذي ثم شرفه المهتدي، فكان الوعظ والشرف إنما هو له في الحقيقة قال: {لمن شاء منكم} أي أيها المخاطبون {أن يستقيم *} أي يطلب القوم ويوجده.
ولما كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال، قال نافياً لاستقلالهم ومثبتاً للكسب: {وما تشاءون} أي أيها الخلائق الاستقامة {إلا أن يشاء الله} أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم، وإن لم يشأها لم تقدروا على مشيئة، فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه فيوفقكم إليه، وعن وهب بن منبه أنه قال: الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بضع وتسعون كتاباً قرأت منها بضعاً وثمانين كتاباً فوجدت فيها: من جعل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر - انتهى. ومن تأمل هذه الآية أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل على أن الإنسان إذا كان له هوىً لا يرده شيء أصلاً
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } [الرعد: 33].
ولما وصف نفسه سبحانه بأنه لا يخرج شيء عن أمره، أتبع ذلك الوصف بما هو كالعلة لذلك فقال: {رب العالمين *} أي الموجد لهم والمالك والمحسن إليهم والمربي لهم وهو أعلم بهم منهم، فلأجل ذلك لا يقدرون إلا على ما قدرهم عليه، ويجب على كل منهم طاعته والإقبال بالكلية عليه سبحانه وتعالى وشكره استمطاراً للزيادة، فلهذه الربوبية صح تصرفه في الشمس وما تبعها مما ذكر أول السورة لإقامة الساعة لأجل حساب الخلائق، والإنصاف بينهم بقطع كل العلائق، كما يفعل كل رب مع من يربيه فكيف بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين! فقد التقى طرفاها على أشرف الوجوه وأجلاها، وانتظم أول الانفطار بما له من بديع الأسرار، فالتكوير كالانشقاق والتفطير، والانكدار مثل التساقط والانتشار، والله سبحانه هو أعلم بالصواب.