التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ
٧
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ
٨
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ
٩
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ
١٠
-الأعلى

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان سبحانه وتعالى ينسخ من الشريعة ما يشاء بحسب المصالح تخفيفاً لما له بهذه الأمة من الرفق، قال لافتاً القول إلى سياق الغيبة إعلاماً بأن ذكر الجلالة أعظم من التصريح بأداة العظمة: {إلا ما شاء الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله، أن تنساه لأنه نسخه، أو لتظهر عظمته في أن أعظم الخلق يغلبه القرآن لأنه صفة الله فتنسى الآية أو الكلمة ثم تذكرها تارة بتذكير أحد من آحاد أمتك وتارة بغير ذلك.
ولما كان الفاعل لهذه الأمور كلها لا سيما الإقراء والحكم على ما يقرأ بأنه لا ينسى إلا ما شاء منه إلاّ يكون لا محيط العلم، قال تعالى مصرحاً بذلك مؤكداً لأجل إنكار أهل القصور في النظر لمثله جارياً على أسلوب الغيبة معبراً بالضمير إشارة إلى تعاليه في العظمة إلى حيث تنقطع أماني الخلق عن إدراكه بما كثر من أفعاله: {إنه} أي الذي مهما شاء كان
{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [النحل: 40].
ولما كان المراد بيان إحاطة علمه سبحانه وتعالى، وأن نسبة الجلي والخفي من جهره بالقرآن وترديده على قلبه سراً وغير ذلك إليه على حد سواء، وكان السياق للجلي، ذكرهما مصرحاً بكل منهما مقدماً الجلي لأن هذا مقامه، وذكره بوصفه معبراً عنه بالاسم الدال على إحاطة علمه به فقال: {يعلم الجهر} أي ثابت له هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار في الإقراء والقراءة وغيرهما. ولما ذكره باسمه ليدل على أنه يعلمه مطلقاً لا بقيد كونه جهراً، قال مصرحاً بذلك: {وما يخفى *} أي يتجدد خفاؤه من القراءة وغيرها على أي حالة كان الإخفاء، فيدل على علمه به إذا جهر به بطريق الأولى.
ولما ذكر الإلهيات والنبوة وأشير إلى النسخ، أشار إلى أن الدين المشروع له هو الحنيفية السمحة، وأنه سبحانه وتعالى لا يقيمه في شيء بنسخ أو غيره إلا كان هو الأيسر له والأرفق، لأن الرفق والعنف يتغيران بحسب الزمان، فقال مبيناً للقوة العملية أثر بيانه للعلمية: {ونيسرك} أي نجعلك أنت مهيأ مسهلاً مليناً موفقاً {لليسرى *} أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة - كما أشار إليه قوله:
"كل ميسر لما خلق له" ولهذا لم يقل: ونيسر لك، لأنه هو مطبوع على حبها.
ولما كمله صلى الله عليه وسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية التيسير، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلاً لغيره شفقة على خلق الله بعد لما له في نفسه فإن لله ساعات له فيها نفحات تقضى فيها الحاجات، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ يحتاج إلى إذن المشايخ وتزكيتهم، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى: {فذكر} أي بهذا الذكر الحكيم، وعبر بأداة الشك إفهاماً للإطلاق الكليّ فقال: {إن نفعت الذكرى *} أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف - بما أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك، ولا شك أن الإنسان لعدم علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعو إلى الله تعالى وإن اشتد الأمر، ولا يحقر أحداً أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه، والأمر بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ذلك.
ولما أمره بالتذكير لكل أحد، قسم الناس له إلى قسمين: قسم يقبل العلاج، وقسم لا يقبله، إعلاماً بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين جملة وأفراداً على التعيين ولم يزل عالماً بذلك، ولكنه لم يعين ابتلاء منه لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة، فقال حاثاً على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما: {سيذكر} أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير - بما أشار إليه الإدغام {من يخشى} أي في جبلته نوع خشية، وهو السعيد لما قدر له في نفسه من السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ، فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى، دائماً بلا آخر وانتهاء.