التفاسير

< >
عرض

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
٢
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
٣
وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ
٤
فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ
٥
سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ
٦
-الأعلى

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لما تضمن أمره سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي هو منزه عنه لكونه نقصاً، وأشار نفي الهزل عن القرآن - إلى أنهم وصموه بذلك وهو في غاية البعد عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه الأقدس سبحانه عنه، أمر أكمل خلقة رسوله المنزل عليه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم بتنزيه اسمه لأنه وحده العالم بذلك حق علمه، وإذا نزه اسمه عن أن يدعو به وثنا أو غيره أو يضعه في غير ما يليق به، كان لذاته سبحانه أشد تنزيهاً، فقال مرغباً في الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي المستحيلات لأن التخلي قبل التحلي، شارحاً لأصول الدين مقدماً للإلهيات التي هي النهايات من الذات ثم الصفات لا سيما القيومية ثم الأفعال على النبوات، ثم أتبع ذلك النبوة ليعرف العبد ربه على ما هو عليه من الجلال والجمال، فيزول عنه داء الجهل الموقع في التقليد، وداء الكبر الموقع في إنكار الحقوق، فيعترف بالعبودية والربوبية، لا مثنياً عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيماً لقدره: {سبح} أي نزه وبرىء تنزيهاً وتبرئة عظيمتين جداً قويتين شديدتين {اسم ربك} أي المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال.
ولما كان الإنسان محتاجاً في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ثلاثة أشياء: كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته، ويدفع عنه عند ضروراته، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته، وطريقة مثلى ترتكبها كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم
"رضيت بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبالإسلام ديناً" أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه، فقال واصفاً لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه "سبحانك وبحمدك": {الأعلى *} أي الذي له وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه غلى غيره مع زعم أنهما فيه سواء، وذكره خالياً عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخاً في التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى معبراً عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعاباً لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها. فابتدأ سورة الإسراء التي هي سورة الإحسان بـ"سبحان" المصدر الصالح لجميع معانيه إعلاماً بأن هذا المعنى ثابت له مطلقاً غير مقيد بشيء من زمان أو غيره، ثم ثنى بالماضي في أول الحديد والحشر والصف تصريحاً بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل الآزال إلى وقت الإنزال، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد، فلما تم ذلك من جميع وجوهه توجه الأمر فخصت به سورته، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا.
ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي هو سبب الانكشاف والظهور، مع أنه تفصيل لقوله "مم خلق" وهو أدل شيء على البعث المذكور "في يوم تبلى السرائر" قال مبيناً للفاعل الذي أبهمه لوضوحه في "مم خلق" مرغباً في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في الذكر الذي هو المهيىء للفكر: {الذي خلق} أي أوجد من العدم أي له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء {فسوّى} أي أوقع مع الإيجاد وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه، وعدل بين الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار بعد أن قهرها على الجمع مع التضاد لئلا تتفاسد، وذلك بالعلم التام والقدرة الكاملة دلالة على تمام حكمته وفعله بالاختيار.
وقال الاستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى مخبراً عن عمه الكفار في ظلام حيرتهم
{ إنهم يكيدون كيداً } [الطارق: 15] وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفاسهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه، أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وافك افترائهم، فقال {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:1] أي نزهه عن قبيح مقالهم، وقدم التنبيه على التنزيه في أمثال هذا ونظائره ووقوع ذلك أثناء السور فيما بين سورة وأخرى، وأتبع سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعليّ حكمته بما يبين ضلالهم فقال {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى: 2 - 3] فتبارك الله أحسن الخالقين، وتنزه عما يتقوله المفترون - انتهى.
ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوته مع الهداية إلى ما وقع الخلق له على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي التسوية، وهو من خواص الملك الذي لا يكون إلا مع الكمال، أتبعه به بالواو دلالة على تمكن الأوصاف فقال: {والذي قدر} أي أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها، وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ذلك {فهدى} أي أوقع بسبب تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من أجله من الشكل والجواهر والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعاً أو اختياراً بخلق الميول والإلهامات، ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب الخيور، فترى الطفل أول ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة، وغيره من سائر الحيوانات، يهتدي إلى ما ينفعه من سائر الانتفاعات، فالخلق لا بد له من التسوية ليحصل الاعتدال، والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال.
ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق، ونبه بآيات النفس، فلم يبق إلا آيات الآفاق، وكان النبات من آياتها أدل المخلوقات على البعث قال: {والذي أخرج} أي أوقع إخراج {المرعى *} بما أنزل من المعصرات فأنبت ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءاً وإعادة، فدل ذلك على تمام قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع الأموات من الأرض بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان تفتت في الأرض وصار تراباً وإخراجه كما كان في العام الماضي بإذنه سبحانه وتعالى وهو خلق من مخلوقاته.
ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في غاية الدلالة على تمام القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات الواحدة قال تعالى: {فجعله} أي بعد أطوار من زمن إخراجه {غثاء} أي كثيراً، ثم أنهاه فأيبسه وهشمه ومزقه فجمع السيل بعضه إلى بعض فجعله زبداً وهالكاً وبالياً وفتاتاً على وجه الأرض {أحوى *} أي في غاية الري حتى صار أسود يضرب إلى خضرة، أو أحمر يضرب إلى سواد، أو اشتدت خضرته فصارت تضرب إلى سواد، وقال القزازرحمه الله في ديوانه: الحوة شية من شيات الخيل، وهى بين الدهمة والكمتة، وكثر هذا حتى سموا كل أسود أحوى - انتهى. فيجوز أن يريد حينئذ أنه أسود من شدة يبسه فحوته الرياح وجمعته من كل أوب حيت تفتت، فكل من الكلمتين فيها حياة وموت، وأخر الثانية لتحملهما لأن دلالتها على الخضرة أتم، فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها، فدل جمعه بين الأضداد على الذات الواحدة على كمال الاختيار، وأما الطبائع فليس لها من التأثير الذي أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار متى أصابت شيئاً أحرقته، ولا تقدر بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي أثرتها فيه، وأشار بالبداية والنهاية إلى تذكر ذلك، وأنه على سبيل التكرار في كل عام الدال على بعث الخلائق، وخص المرعى لأنه أدل على البعث لأنه مما ينبته الناس، وإذا انتهى تهشم وتفتت وصار تراباً، ثم يعيده سبحانه بالماء على ما كان عليه سواء كما يفعل بالأموات سواء - من غير فرق أصلاً.
ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمره صلى الله عليه وسلم بتسبيحه بما دل على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله، وشرح ما له سبحانه من القدرة التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر والطي والقبض والبسط، فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق، أتبعه ما للخلائق وبدأ بما لأشرف خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديراً للنبوة التي بها تتم السعادة بالحقائق الواصلة من الحق إلى عبده، التي بها يتم أمره من القوتين العلمية ثم العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد، لأن حياة الإنسان لا يتم طيبها إلا بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر أحواله، ولا مقتدي مثل المعصوم عن كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف حاله، والحب في الله أعظم دعائم الدين، فقال معللاً للأمر بالتسبيح للموصوف بالجلال والجمال دالاً على أنه يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ميت الأشباح بالأرواح {سنقرئك} أي نجعلك بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على سبيل التكرار بالتجديد والاستمرار قارئاً، أي جامعاً لهذا الذكر الذي هو حياة الأرواح بمنزلة حياة الأشباح، الذي تقدم أنه قول فصل، عالماً به كل علم، ناشراً له في كل حي، فارقاً به بين كل ملتبس، وإن كانت أميّاً لا تحسن الكتابة ولا القراءة، ولذلك سبب عنه قوله: {فلا تنسى *} أي شيئاً منه ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان: كونك تقرأ وأنت أمي، وكونك تخبر عن المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل لتعجل به ولا تتعب نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به.