التفاسير

< >
عرض

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
١
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٢
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
٣
أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ
٤
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
٥
يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٦
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
٧
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
٨
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٩
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
١٠
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ
١١
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
١٢
إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
-المطففين

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ أول ما نزل بالمدينة ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ ‏.‏
وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله ‏{‏ويل للمطففين‏} ‏ فأحسنوا الكيل بعد ذلك‏.‏
وأخرج ابن سعد والبزار والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سباع بن عرفطة على المدينة لما خرج إلى خيبر فقرأ ‏{‏ويل للمطففين‏}‏ فقلت‏:‏ هلك فلان له صاع يعطي به وصاع يأخذ به‏.‏
وأخرج الحاكم عن ابن عمر أنه قرأ ‏ {‏ويل للمطففين‏} فبكى وقال‏:‏ هو الرجل يستأجر الرجل أو الكيال وهو يعلم أنه يخيف في كيله فوزره عليه‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏
"‏ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين"
‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سلمان قال‏:‏ إنما الصلاة مكيال فمن أوفى أوفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله في المطففين‏.‏
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه قال‏:‏ تركك المكافأة تطفيف‏.‏ قال الله‏:‏ ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ ‏.‏
قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ ‏.‏
أخرج مالك وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
"{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال‏:‏ "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏} ‏ قال‏:‏ ‏كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم"
‏‏‏.‏ وأخرج عن ابن مسعود إذا حشر الناس قاموا أربعين عاما‏ً.
وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن أبي بزة قال‏:‏ حدثني من سمع أن عمر قرأ ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏} ‏ بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك اليوم على المؤمن كتدلي الشمس من الغروب حتى تغرب‏.‏
وأخرج الطبراني عن ابن عمرو أنه قال‏:‏
"يا رسول الله‏:‏ كم قيام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏ألف سنة لا يؤذن لهم‏"
‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن كعب في الآية قال‏:‏ يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم بالقعود، فأما المؤمن فيهون عليه كالصلاة المكتوبة‏.‏
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ يقومون مقدار ثلاثمائة سنة، ويخفف الله ذلك اليوم ويقصره على المؤمن كمقدار نصف يوم أو كصلاة مكتوبة‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة يقوم الناس على أقدامهم يوم القيامة ثلاثمائة سنة، ويهون ذلك اليوم على المؤمن كقدر الصلاة المكتوبة‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري‏:‏
"‏كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا يأتيهم خبر من السماء، ولا يؤمر فيهم بأمر‏؟ قال بشير‏:‏ المستعان بالله يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ إذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من شر يوم القيامة ومن شر الحساب"
‏"‏‏.‏ وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏ "‏أن رجلاً كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقعد يقال له بشير ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فرآه شاحباً فقال‏: ما غير لونك يا بشير‏؟ قال‏:‏ اشتريت بعيراً فشرد عليّ فكنت في طلبه، ولم أشترط فيه شرطا‏ً.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن البعير الشرود يرد منه إنما غير لونك غير هذا‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏: فكيف بيوم يكون مقداره خمسين ألف سنة ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏" .
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار عن قوله‏:‏ ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏} ‏ قال‏:‏ إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى السجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس لهلاكه للحساب، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم‏} ‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن كتاب الأبرار لفي عليين‏}‏ قال‏:‏ إن روح المؤمن إذا عرج بها إلى السماء فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكة بالبشرى حتى ينتهي بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المقربون، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم‏}‏‏ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ قد رقم الله على الفجار ما هم عاملون في سجين، فهو أسفل، والفجار منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم، ورقم على الأبرار ما هم عاملون في عليين، وهم فوق فهم منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم‏.‏
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ سجين أسفل الأرضين‏.‏
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
"‏الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح‏"
‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ عملهم في الأرض السابعة لا يصعد‏.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏} ‏ قال‏:‏ تحت الأرض السفلى فيها أرواح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء‏.‏
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والمحاملي في أماليه عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ سجين صخرة تحت الأرض السابعة في جهنم تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها‏.‏
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ تحت الأرض السفلى‏.‏
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن قتادة ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ هو أسفل الأرض السابعة ‏ {‏كتاب مرقوم‏}‏ قال‏:‏ مكتوب‏.‏ قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن عبد الله بن عمر كان يقول‏:‏ الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏
"‏سجين الأرض السابعة السفلى‏"
‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو كان يقول:‏ الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء‏.‏
وأخرج ابن المبارك عن ابن جريج قال‏:‏ بلغني أن ‏{‏سجين‏}‏ الأرض السلفى، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏مرقوم‏} ‏ قال‏:‏ مكتوب‏.‏
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏كتاب مرقوم‏} ‏ قال‏:‏ رقم لهم بشر‏.‏
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ‏ {‏لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ لفي خسار‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملك يرفع العمل للعبد يرى أن في يديه منه سروراً حتى ينتهي إلى الميقات الذي وصفه الله له، فيضع العمل فيه فيناديه الجبار من فوقه إرم بما معك في ‏ {‏سجين‏}‏ وسجين الأرض السابعة‏.‏ فيقول الملك‏:‏ ما رفعت إليه إلا حقاً فيقول‏:‏ صدقت إرم بما معك في سجين‏.‏
وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت‏:‏ إن لقيت ابني فاقرئه مني السلام فقال لها‏:‏ غفر الله لك يا أم بشر نحن أسفل من ذلك، فقالت‏:‏ أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:
"إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين‏؟‏ قال‏:‏ بلى فهو ذلك‏" .
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ربك بك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك‏.‏ فقال عبد الله‏:‏ كيف يكون هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين والله أعلم‏.‏