التفاسير

< >
عرض

شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
١٢١
وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ
١٢٢
ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٢٣
-النحل

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} صفةٌ ثالثة لأُمةً، وإنما أوثر صيغةُ جمعِ القلة للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يُخِلُّ بشكر النعمة القليلة فكيف بالكثيرة وللتصريح بكونه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفرانَ بأنعم الله تعالى حسبما بـيّن ذلك بضرب المثل {ٱجْتَبَـٰهُ} للنبوة {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إليه سبحانه وهو ملةُ الإسلامِ، وليست نتيجةُ هذه الهدايةِ مجردَ اهتدائِه عليه السلام بل مع إرشاد الخلقِ أيضاً بمعونة قرينةِ الاجتباء.

{وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} حالةً حسنةً من الذكر الجميل والثناءِ فيما بـين الناس قاطبةً حتى إنه ليس من أهل دينٍ إلا وهم يتولَّوْنه، وقيل: هي الخُلّة والنبوةُ، وقيل: قولُ المصلِّي منا كما صليتَ على إبراهيمَ، والالتفاتُ إلى التكلم لإظهار كمالِ الاعتناء بشأنه وتفخيمِ مكانه عليه الصلاة والسلام {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أصحابِ الدرجات العالية في الجنة حسبما سأله بقوله: { { وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلآخِرِينَ وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } [الشعراء، الآية 83 و85].

{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} مع طبقتك وسموِّ رتبتك {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} الملةُ اسمٌ لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبـياءِ عليهم السلام من أمللتُ الكتابَ إذا أمليتُه، وهو الدينُ بعينه لكنْ باعتبار الطاعة له وتحقيقُه أن الوضع الإلٰهيَّ مهما نُسب إلى من يؤدّيه عن الله تعالى يسمّى ملةً، ومهما نُسب إلى من يُقيمه ديناً. قال الراغب: الفرقُ بـينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبـي عليه السلام ولا تكاد توجد مضافةً إلى الله سبحانه وتعالى ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائعِ دون آحادها، والمرادُ بملّته عليه السلام الإسلامُ الذي عُبّر عنه آنفاً بالصراط المستقيم {حَنِيفاً} حالٌ من المضاف إليه لما أن المضافَ لشدة اتصالِه به عليه السلام جرى منه مجرى البعضِ فقُيّد بذلك، من قبـيل: رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً، والمأمورُ به الاتباع في الأصول دون الشرائعِ المتبدّلة بتبدل الأعصار، وما في (ثم) من التراخي في الرتبة للإيذان بأن هذه النعمةَ من أجلّ النعم الفائضةِ عليه عليه السلام {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تكريرٌ لما سبق لزيادة تأكيدٍ وتقريرٍ لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل.