التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
١١
أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
١٢
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} شروع في تعديد بعضٍ من قبائحهم المتفرعةِ على ما حُكي عنهم من الكفر والنفاق، وإذا ظرفُ زمنٍ مستقبلٍ، ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تدخل إلا في الأمر المحقق أو المرجح وقوعُه، واللامُ متعلّقة بقيل ومعناها الإنهاءُ والتبليغ، والقائمُ مقامَ فاعلِه جملة (لا تفسدوا) على أن المراد بها اللفظ، وقيل هو مُضمرٌ يفسِّرُه المذكورُ، والفسادُ خروجُ الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاحُ مقابلُه، والفساد في الأرض هَيْجُ الحروب والفتنِ المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلالِ أمر المعاش والمعاد، والمراد بما نهُوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائِهم عليهم، وغيرِ ذلك من فنون الشرور، كما يقال للرجل لا تقتُلْ نفسَك بـيدك، ولا تلقِ نفسك في النار إذا أقدم على ما تلك عاقبته وهو إما معطوف على (يقول)، فإن جُعلت كلمة (مَنْ) موصولةً فلا محل له من الإعراب، ولا بأس بتخلل البـيان أو الاستئنافِ وما يتعلق بهما بـين أجزاء الصلةِ فإن ذلك ليس توسيطاً بالأجنبـيّ، وإن جُعلت موصوفةً فمحلُه الرفع، والمعنى ومن الناس من إذا نهوا من جهة المؤمنين عما هم عليه من الإفساد في الأرض {قَالُواْ} إرادةٌ للناهين أن ذلك غيرُ صادر عنهم مع أن مقصودهم الأصليَّ إنكارُ كونِ ذلك إفساداً وادعاءُ كونِه إصلاحاً محضاً كما سيأتي توضيحه: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي مقصورون على الإصلاح المحض، بحيث لا يتعلق به شائبةُ الإفساد والفساد، مشيرين بكلمة (إنما) إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه.

وإما كلامٌ مستأنَفٌ سيق لتعديد شنائعِهم. وأما عطفهُ على يكذبون بمعنى ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما قيل، فيأباه أن هذا النحْوَ من التعليل حقُه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العِلّية مُسلَّمةِ الثبوت للموصوف غنيةٍ عن البـيان لشهرة الاتصافِ بها عند السامع أو لسبق ذكرِه صريحاً كما في قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [البقرة، الآية 10] فإن مضمونه عبارةٌ عما حُكي عنهم من قولهم: { آمنا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } [البقرة، الآية 8] أو لذكر ما يستلزمه استلزاماً ظاهراً كما في قوله عز وجل: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } [ص، الآية 26] فإن ما ذكر من الضلال عن سبـيل الله مما يوجب حتماً نسيان جانب الآخرة التي من جملتها يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه أن يخبر بعليته قصداً كما في قوله تعالى: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } [آل عمران، الآية 24] الآية، وقوله: { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } [البقرة، الآية 176] الآية، إلى غير ذلك، ولا ريب في أن هذه الشرطيةَ وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمونُ شيء منها معلومَ الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة، حتى تستحقَ الانتظامَ في سلك التعليل المذكور، فإذن حقُها أن تكونَ مَسوقةً على سنن تعديدِ قبائحِهم على أحد الوجهين، مفيدةً لاتصافهم بكل واحد من تلك الأوصاف قصداً واستقلالاً كيف لا وقوله عز وجل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} ينادي بذلك نداءً جلياً، فإنه ردٌ من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغَ رد، وأدلَّه على سَخَط عظيم حيث سُلك فيه مسلك الاستئنافِ المؤدي إلى زيادة تمكّنِ الحكم في ذهن السامع، وصدرت الجملة بحرفي التأكيد (ألا) المنبّهة على تحقق ما بعدها، فإن الهمزة الإنكارية الداخلةَ على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعاً كما في قوله تعالى: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزمر، الآية 36] ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة إلا مصدرةً بما يُتلقىٰ به القسمُ، وأختها التي هي (أمَا) من طلائع القسم.

وقيل: هما حرفان بسيطان موضوعان للتنبـيه والاستفتاح و(إن) المقرِّرة للنسبة، وعُرفُ الخبر ووسَطُ ضمير الفصل لردِّ ما في قصر أنفسهم على الإصلاح من التعريض بالمؤمنين. ثم استُدرك بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة، لكن لا حسَّ لهم حتى يُدركوه، وهكذا الكلامُ في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من ردِّ مضمونهما، ولولا أن المراد تفصيلُ جناياتهم وتعديدُ خبائثهم وهَناتِهم ثم إظهارُ فسادِها وإبانة بُطلانها لما فُتح هذا البابُ والله أعلم بالصواب.