التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١٤٧
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{الَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي علماؤُهم إذْ هم العمدةُ في إيتائه، ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ مع قرب العهد للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ للحكم، والضميرُ المنصوبُ في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ} للرسول صلى الله عليه وسلم والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتَهم له عليه السلام من حيث ذاتُه ونسبُه الزاهرُ بل من حيث كونُه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي من جملتها أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين، كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتابَ يعرِفون مَنْ وصفناه فيه. وبهذا يظهر جزالةُ النظم الكريم، وقيل: هو إضمارٌ قبل الذكر للإشعار بفخامة شأنِه عليه الصلاة والسلام أنه عِلْمٌ معلوم بغير إعلامٍ فتأمل، وقيل: الضميرُ للعلم أو سببِه الذي هو الوحيُ أو القرآنُ أو التحويل، ويؤيد الأولَ قولُه عز وجل: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} أي يعرِفونه عليه الصلاة والسلام بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم، ولا يشتبِهُ عليهم كما لا يشتبه أبناؤُهم، وتخصيصُهم بالذكر دون ما يعم البناتِ لكونهم أعرفَ عندهم منهن بسبب كونِهم أحبَّ إليهم.

عن عمرَ رضي الله عنه أنه سأل عبد اللَّه بنَ سلام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولِمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ فيه أنه نبـي، فأما ولدي فلعل والدتَه خانت فقبّل عمرُ رأسه رضي الله عنهما. {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هم الذين كابروا وعاندوا الحقَّ والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يُظهرون الحقَّ ولا يكتُمونه، وأما الجهلةُ منهم فليست لهم معرفةٌ بالكتاب ولا بما في تضاعيفه، فما هم بصدد الإظهارِ ولا بصدد الكَتْم وإنما كفرُهم على وجه التقليد {ٱلْحَقّ} بالرفع على أنه مبتدأ، وقولُه تعالى: {مِن رَبّكَ} خبرُه واللامُ للعهد والإشارةِ إلى ما عليه النبـي صلى الله عليه وسلم أو إلى الحقِّ الذي يكتُمونه أو للجنس، والمعنى: أن الحقَّ ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا غيرُه كالذي عليه أهلُ الكتاب أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ أي هو الحقُّ، وقولُه تعالى: {مِن رَبّكَ} إما حالٌ أو خبرٌ بعد خبر، وقرىء بالنصب على أنه بدلٌ من الأول، أو مفعولٌ ليعلمون. وفي التعرُّض لوصف الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفىٰ {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي الشاكّين في كتمانهم الحقَّ عالمين به وقيل في أنه من ربك، وليس المرادُ نهيَ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك لأنه غيرُ متوقعٍ منه عليه الصلاة والسلام وليس بقصد واختيار بل إما تحقيقُ الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمرُ الأمةِ باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ.