التفاسير

< >
عرض

فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٠
وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٢١
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

وقولُه تعالى: {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأخِرَةِ} متعلقٌ إما بـيُبـيْن أي يبـين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوفٍ وقع حالاً من الآيات أي يبـينها لكم كائنةً فيهما أي مبـيِّنةً لأحوالكم المتعلقةِ بهما، وإنما قدم عليه التعليلُ لمزيد الاعتناءِ بشأن التفكر، وإما بقوله تعالى: {تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة، الآيات: 219 و266] أي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردةِ في أجوبة الأسئلةِ المارّة فتختارون منها ما يصلُح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره. وهذا التخصيصُ هو المناسبُ لمقام تعدادِ الأحكام الجزئيةِ ويجوزُ التعميمُ لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة بذلك حينئذ إشارةً إلى ما مر من البـيانات كلاً أو بعضاً لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعلٌ مستقلٌ ليس بعبارة عن تلك البـيانات والمرادُ بالآيات غيرُ ما ذكر والمعنى مثلَ ذلك البـيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبـين الله لكم الآياتِ والدلائلَ لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعُكم فيهما وتذرون ما يضرُّكم حسبما تقتضيه تلك الآياتُ المبـينة.

{ويسألونك عن اليتامى} عطفٌ على ما قبله من نظيره رُوي أنه لما نزلت { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } [النساء، الآية 10] الآية، تحامىٰ الناسُ عن مخالطة اليتامى وتعهُّد أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي التعرضُ لأحوالهم وأموالهم على طريق الإصلاح خيرٌ من مجانبتهم اتقاءً. {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ} وتعاشِروهم على وجهٍ ينفعهم {فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانُكم أي في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبـية، ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطةُ بالأصلاح والنفعِ، وقد حُمل المخالطةُ على المصاهرة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد و(من) لتضمينه معنى التميـيز أي يعلم مَنْ يفسد في أمورهم عند المخالطة أو مَنْ يقصِد بمخالطته الخيانةَ والإفسادَ مُميِّز له ممن يُصلح فيها أو يقصد الإصلاح فيجازي كلاً منهما بعمله، ففيه وعدٌ ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيدَ تهديدٍ وتأكيداً للوعيد {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأعْنَتَكُمْ} أي لو شاء أن يُعْنِتَكم أو يكلفَكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوِّزْ لكم مداخلتَهم {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره لا يعِزُّ عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتُكم فهو تعليلٌ لمضمون الشرطية، وقولُه عز وجل: {حَكِيمٌ} أي فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمةُ الداعيةُ إلى بناء التكليف على أساس الطاقة، دليلٌ على ما تفيده كلمة «لو» من انتفاء مقدمها.

{وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ} أي لا تَتَزوجوهن وقرىء بضم التاء من الإنكاح أي لا تُزوِّجوهن من المسلمين {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} والمرادُ بهن إما ما يعم الكتابـياتِ أيضاً حسبما يقتضيه عمومُ التعليلين الآتيـين لقوله تعالى: { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } [التوبة، الآية 30] إلى قوله: { سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة، الآية 31] فالآية منسوخةٌ بقوله تعالى: { وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } [المائدة: الآية 5] وأما غيرُ الكتابـيات فهي ثابتة ورُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعث مَرْثدَ بنَ أبـي مرثد الغنوي إلى مكةَ ليُخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوىٰ امرأةً في الجاهلية اسمُها عَنَاق فأتته فقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلامَ حال بـيننا فقالت: هل لك أن تتزوّجَ بـي؟ قال: نعم ولكن أرجِعُ إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فأستأمِرُه فاستأمَره فنزلت {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيبٌ في مواصلة المؤمنات، صُدِّر بلام الابتداء الشبـيهةِ بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغةً في الحمل على الانزجار، وأصلُ أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوِّض منه تاء التأنيث ودليلُ كون لامِها واواً رجوعُها في الجمع، قال الكلابـي: [البسيط]

أما الإماءُ فلا يدعونني ولداإذا تداعىٰ بنو الأمواتِ بالعار

وظهورُها في المصدر يقال: هي أَمةٌ بـيِّنة الأُموَّة وأقرَّتْ له بالأموّة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء والوصف أي ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر {خَيْرٌ} بحسب الدين والدنيا {مّن مُّشْرِكَةٍ} أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} قد مر أن كلمة (لو) في أمثال هذه المواقع ليست لبـيان انتفاءِ الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحَظَ لها جوابٌ قد حذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه مع انصباب المعنى على تقديره بل هي لبـيان تحقيقِ ما يفيدُه الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته معه ثبوتُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقق مع المُنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى، ولذلك لا يُذكر معه شيء من سائر الأحوال ويُكتفىٰ عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولةِ لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم: إنها لاستقصاء الأحوالِ على وجه الإجمال كأنه قيل: لو لم تعجبْكم ولو أعجبتكم والجملةُ في حيِّز النصبِ على الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خيرٌ من امرأة مشركة حال عدمِ إعجابها إياكم بجمالها ومالِها ونسبها وغيرِ ذلك من مبادىء الإعجابِ وموجباتِ الرغبة فيها أي على كل حال، وقد اقتُصر على ذكر ما هو أشدُّ منافاةً للخيرية تنبـيهاً على أنها حيث تحققت معه فلأَنْ تتحققَ مع غيره أولى وقيل: الواوُ حاليةٌ وليس بواضح وقيل: اعتراضيةٌ وليس بسديد، والحقُّ أنها عاطفة مستتبعةٌ لما ذكر من الاعتبار اللطيف. نعم يجوز أن تكونَ الجملةُ الأولى مع عاطف عليها مستأنفةً مقرِّرةً لمضمون ما قبلها فتدبر.

{وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ} من الإنكاح والمراد بهم الكفار على الإطلاق، لما مر أي لا تُزوِّجوا منهم المؤمناتِ سواءٌ كن حرائرَ أو إماءً {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} ويتركوا ما هم فيه من الكفر {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} مع ما به من ذل المملوكية {خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ} مع ما له من عز المالكية {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} بما فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعةِ إلى ذاته وصفاته {أُوْلَـٰئِكَ} استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون التعليلين المارَّيْن أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين {يَدْعُونَ} من يقارِنُهم ويعاشِرُهم {إِلَى ٱلنَّارِ} أي إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتِهم {وَٱللَّهُ يَدْعُو} بواسطة عبادِه المأمنين مَنْ يقارِنُهم {إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ} أي إلى الاعتقاد الحق والعملِ الصالحِ الموصلَيْن إليهما، وتقديمُ الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن تُقدَّم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءً {بِإِذْنِهِ} متعلق بـيدعو أي يدعو ملتبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشادُ المؤمنين لمقارِنيهم إلى الخير ونصيحتُهم إياهم فهم أحقاءُ بالمواصلة {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ} المشتملةَ على الأحكام الفائقةِ والحِكَمِ الرائقة {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكروا ويعلموا بما فيها فيفوزوا بما دُعوا إليه من الجنة والغفران. هذا وقد قيل: معنى {واللَّهُ يَدْعُو} [البقرة: 221] وأولياءُ الله يدْعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامه تشريفاً لهم. وأنت خبـيرٌ بأن الضميرَ في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: {وَيُبَيّنُ ٱللَّهُ تَعَالَى} فيلزم التفكيكُ وقيل: معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى الجنة والمغفرة فإنها موصلةٌ لمن عمِل بها إليهما. وهذا وإن كان مستدعياً لاتحاد مرجِع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً للمبتدأ لكنْ يفوِّت حينئذ حسنَ المقابلة بـينه وبـين قوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } [البقرة، الآية: 121] ولعل الطريق الأسلمَ ما أوضحناه أولاً، وإيرادُ التذكرِ هٰهنا للإشعار بأنه واضحٌ لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة.