التفاسير

< >
عرض

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
-آل عمران

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَكَأَيّن} كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ عليهم تقصيرَهم وسوءَ صنيعِهم في صدودهم عن سَنن الربانيـين المجاهدين في سبـيل الله مع الرسل الخالين عليهم السلام، و{كأين} لفظةٌ مركبةٌ من كاف التشبـيهِ وأي، حدث فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ كما حدث في كذا وكذا، والنون تنوينٌ أُثبتت في الخط على غير قياسٍ، وفيها خمسُ لغاتٍ هي إحداهن والثانيةُ كائِنْ مثلُ كاعن والثالثة كأْيِن مثل كعْيِن والرابعةُ كَيْئِن بـياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلبُ ما قبلها والخامسةُ كأْن مثلُ كعن، وقد قرىء بكل منها ومحلُّها الرفعُ بالابتداء وقولُه تعالى: {مّن نَّبِىٍّ} تميـيزٌ لها لأنها مثلُ كم الخبرية، وقد جاء تميـيزُها منصوباً كما في قوله: [الخفيف]

أطرُد اليأسَ بالرجا فكأيِّنْآملاً حُمَّ يسرُه بعد عُسرِ

وقوله تعالى: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ} خبرٌ لها على أن الفعلَ مسندٌ إلى الظاهر، والرابطُ هو الضمير المجرورُ في معه، وقرىء قُتِل وقُتّل على صيغة المبني للمفعول مخففةً ومشددةً، والرِّبِّـيُّ منسوبٌ إلى الرب كالرَّباني وكسرُ الراء من تغيـيرات النّسْبِ وقرىء بضمها وبفتحها أيضاً على الأصل وقيل: هو منسوبٌ إلى الرَّبة وهي الجماعة، أي كثيرٌ من الأنبـياء قاتلَ معه لإعلاء كلمةِ الله وإعزاز دينِه علماءُ أتقياءُ أو عابدون أو جماعاتٌ كثيرة، فالظرفُ متعلقٌ بقاتل أو بمحذوف وقع حالاً من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمالَ فيهما لتعلقه بالفعل أي قُتلوا أو قُتّلوا كائنين معه في القتال لا في القتل. قال سعيد بن جبـير: ما سمعنا بنبـي قُتل في القتال، وقال الحسنُ البصري وجماعةٌ من العظماء: لم يقتَلْ نبـي في حرب قطُّ، وقيل: الفعلُ مسنَدٌ إلى ضمير النبـي والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منه، والرابطُ هو الضميرُ المجرورُ الراجعُ إليه، وهذا واضحٌ على القراءة المشهورةِ بلا خوف أي كم نبـيَ قاتلَ كائناً معه في القتال ربـيون كثير، وأما على القراءتين الأخيرتين فغيرُ ظاهرٍ لا سيما على قراءة التشديد وقد جوّزه بعضُهم وأيّده بأن مدارَ التوبـيخِ انخذالُهم للإرجاف بقتلِه عليه السلام أي كم من نبـي قُتل كائناً معه في القتل أو في القتال ربـيون الخ، وقوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ} عطفٌ على قاتل على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك: وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهرِ ولكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم {لِمَا أَصَابَهُمْ} في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ، نعم يُشعِرُ بعلّته قوله تعالى: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فإن كونَ ذلك في سبـيله عز وجل مما يقوِّي قلوبَهم ويُزيلُ وهنَهم، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ، فإن جُعِل الضميران لجميع الرِّبـيِّـين فهي عبارةٌ عما عدا القتلِ من الجراح وسائرِ المكارِه المعتريةِ للكل، وإن جعلاً للبعض الباقين بعد ما قُتل الآخَرون كما هو الأليقُ بمقام توبـيخِ المنخذِلين بعد ما استُشهد الشهداءُ فهي عبارةٌ عما ذُكر مع ما اعتراهم من قتل إخوانِهم من الخوف والحُزْن وغيرِ ذلك.

هذا على القراءة المشهورةِ وأما على القراءتين الأخيرتين: فإن أُسندَ الفعلُ إلى الرّبـيّـين فالضميران للباقين منهم حتماً، وإن أُسند إلى ضمير النبـي كما هو الأنسبُ بالتوبـيخ على الانخذال بسبب الإرجافِ بقتله عليه الصلاة والسلام فهما للباقين أيضاً إن اعتُبر كونُ الرّبـيّـين مع النبـي في القتل وللجميع إن اعتُبر كونُهم معه في القتال {وَمَا ضَعُفُواْ} عن العدو، وقيل: عن الجهاد، وقيل: في الدين {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أي وما خضَعوا للعدو وأصلُه استكنَ من السكون لأن الخاضعَ يسكُن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه، والألفُ من إشباع الفتحةِ أو استكْوَن من الكون لأنه يُطلب أن يكون لمن يُخضَع له. وهذا تعريضٌ بما أصابهم من الوهن والانكسارِ عند استيلاءِ الكفرةِ عليهم والإرجافِ بقتل النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وبضَعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتِهم لهم حين أرادوا أن يعتضِدوا بابن أُبـيّ المنافق في طلب الأمانِ من أبـي سفيان {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي على مقاساة الشدائدِ ومعاناةِ المكاره في سبـيل الله فينصُرهم ويُعظّم قدرَهم، والمرادُ بالصابرين إما المعهودون، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بحسن الصبرِ والإشعارِ بعلة الحُكم، وإما الجنسُ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والجملة تذيـيل لما قبلها.