التفاسير

< >
عرض

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ
١٥٩
إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٦٠
-آل عمران

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيب مضمونِ الكلامِ على ما يُنبىء عنه السياقُ من استحقاقهم لِلاّئمة والتعنيفِ بموجب الجِبلَّةِ البشرية، أو من سَعة ساحةِ مغفرتِه تعالى ورحمتِه، والباءُ متعلِّقة بلنتَ قُدِّمت عليه للقصر، وما مزيدةٌ للتوكيد، أو نكرةٌ و{رَحْمَةً} بدلٌ منها مُبـينٌ لإبهامها، والتنوينُ للتفخيم ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لرحمةٍ أي فبرحمةٍ عظيمة لهم كائنةٍ من الله تعالى، وهي ربطُه على جأشه وتخصيصُه بمكارم الأخلاقِ، كنتَ ليِّنَ الجانبِ لهم وعامَلْتَهم بالرفق والتلطّفِ بهم حيث اغتمَمْتَ لهم بعد ما كان منهم ما كان من مخالفة أمرِك وإسلامِك للعدو.

{وَلَوْ} لم تكن كذلك بل {كُنْتَ فَظّاً} جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً، وقال الراغبُ: الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخلُقِ. وقال الواحديُّ: هو الغليظُ الجانبِ السيءُ الخلُق {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} قاسِيَه، وقال الكلبـي: فظَّاً في القول غليظَ القلبِ في الفعل، {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لَتفرَّقوا من عندك ولم يسكُنوا إليك وتردَّوْا في مهاوي الردىٰ والفاء في قوله عز وجل: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} لترتيب العفوِ أو الأمرِ به على ما قبله، أي إذا كان الأمرُ كما ذُكر فاعفُ عنهم فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ} الله فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماماً للشفقة عليهم وإكمالاً للبِرّ بهم {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي في أمر الحربِ إذ هو المعهودُ، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورةُ عادةً استظهاراً بآرائهم وتطيـيباً لقلوبهم وتمهيداً لسُنّة المشاورةِ للأُمة. وقرىء وشاورهم في بعض الأمر.

{فَإِذَا عَزَمْتَ} أي عَقيبَ المشاورةِ على شيء واطمأنتْ به نفسُك {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في إمضاء أمرِك على ما هو أرشدُ لك وأصلحُ، فإن عِلمَه مختصٌّ به سبحانه وتعالى. وقرىء فإذا عزمتُ على صيغة التكلّم أي عزمتُ لك على شيء وأرشدتُك إليه فتوكلْ عليَّ ولا تشاوِرْ بعد ذلك أحداً، والالتفاتُ لتربـية المهابةِ وتعليلِ التوكلِ أو الأمرِ به فإن عنوانَ الألوهيةِ الجامعةِ لجميع صفاتِ الكمالِ مستدعٍ للتوكل عليه تعالى أو الأمرِ به {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ} عليه تعالى فينصُرهم ويُرشِدهم إلى ما فيه خيرُهم وصلاحُهم. والجملةُ تعليلٌ للتوكل عليه تعالى وقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت بطريق تلوينِ الخطابِ تشريفاً للمؤمنين لإيجاب توكّلِهم عليه تعالى وحثَّهم على اللَّجَأ إليه وتحذيرِهم عما يُفضي إلى خِذلانه أي إن ينصُركم كما نصركم يومَ بدرٍ فلا أحدَ يغلِبُكم على طريق نفي الجنسِ المنتظِم لنفي جميعِ أفرادِ الغالبِ ذاتاً وصفةً ولو قيل: فلا يغلبُكم أحدٌ لدل على نفي الصفة فقط، ثم المفهومُ من ظاهر النظمِ الكريمِ ــ وإن كان نفيَ مغلوبـيّتِهم من غير تعرضٍ لنفي المساواةِ أيضاً، وهو الذي يقتضيه المقامُ ــ لكن المفهومَ منه فهماً قطعياً هو نفيُ المساواةِ وإثباتُ الغالبـيةِ للمخاطبـين، فإذا قلتَ: لا أكرمُ من فلان أو لا أفضلُ منه فالمفهومُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضلٍ وهذا أمرٌ مطردٌ في جميع اللغات ولا اختصاصَ له بالنفي الصريحِ بل هو مطردٌ فيما ورد على طريق الاستفهامِ الإنكاريِّ كما في قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } [العنكبوت، الآية 68، وسورة الصف، الآية 7] في مواقعَ كثيرةٍ من التنزيل، ومما هو نصٌ قاطعٌ فيما ذكرنا ما وقع في سورة هودٍ حيث قيل بعده في حقهم: { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } [هود، الآية 22] فإن كونَهم أخسرَ من كل خاسرٍ يستدعي قطعاً كونَهم أظلمَ من كل ظالم {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} كما فعل يومَ أحُدٍ وقرىء يُخذِلْكم من أخذله إذا جعله مخذولاً {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم} استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لانتفاء الناصرِ ذاتاً وصفةً بطريق المبالغة {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد خِذلانه تعالى أو من بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل لإفادة قصرِه عليه تعالى، والفاءُ لترتيبه أو ترتيبِ الأمرِ به على ما مر من غلبة المخاطَبـين ــ على تقدير نُصرتِه تعالى لهم ــ ومغلوبـيّتِهم على تقدير خِذلانِه تعالى إياهم، فإن العِلمَ بذلك مما يقتضي قصرَ التوكلِ عليه تعالى لا محالة، والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ والمخاطبون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما هم خاصةً بطريق الالتفاتِ، وأياً ما كان ففيه تشريفٌ لهم بعنوان الإيمانِ اشتراكاً أو استقلالاً، وتعليلٌ لتحتم التوكلِ عليه تعالى فإن وصفَ الإيمانِ مما يوجبه قطعاً.