التفاسير

< >
عرض

وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ
٧
لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ
٨
دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ
٩
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
١٠
-الصافات

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَحِفْظاً} منصوبٌ إمَّا بعطفه على زينةٍ باعتبار المعنى كأنَّه قيل إنَّا خلقنا الكواكبَ زينةً للسَّماءِ وحِفظاً {مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ} أي خارجٍ عن الطَّاعةِ برميِ الشُّهبِ. وإمَّا بإضمار فعلهِ، وإمَّا بتقدير فعلٍ مؤخَّر معلَّلٍ به كأنَّه قيل وحِفظاً من كلِّ شيطانٍ ماردٍ زيَّناها بالكواكبِ، كقوله تعالى: { { وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } [سورة الملك: الآية 5] وقوله تعالى: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبـيان حالهم بعد بـيانِ حفظِ السَّماءِ عنهم من التَّنبـيهِ على كيفيةِ الحفظِ وما يعتريهم في أثناء ذلك من العذابِ، ولا سبـيلَ إلى جعلهِ صفةً لكلِّ شيطانٍ ولا جواباً عن سؤال مقدَّرٍ لعدمِ استقامةِ المعنى ولا علَّةً للحفظِ على أن يكونَ الأصلُ لئلاَّ يسمعُوا فحُذفتِ اللاَّمُ كما حُذفتْ من قولك جئتُك أنْ تكرمني فبقيَ أنْ لا يسمعُوا ثم يحذفُ أنْ ويُهدرُ عملُها كما في قولِ مَن قال: [الطويل]

أَلاَ أَيُهذا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى[وأنْ أشْهَدَ اللَّذاتِ هلْ أنت مُخْلِدِي]

لما أنَّ كلَّ واحدٍ من ذينكَ الحذفينِ غيرُ منكرٍ بانفرادِه، فأمَّا اجتماعُهما فمنْ أنكرِ المنكرات التي يجبُ تنزيهُ ساحةِ التَّنزيل الجليلِ عن أمثالها. وأصلُ يسمَّعون يتسمَّعُون. والملأُ الأعلى: الملائكةُ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: هم الكَتَبةُ. وعنه أشرافُ الملائكةِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أي لا يتطلَّبون السَّماعَ والإصغاءَ إليهم. وقُرىء يسمعُون بالتَّخفيفِ {وَيَقْذِفُونَ} يُرمَون {مِن كُلّ جَانِبٍ} من جميع جوانبِ السَّماءِ إذا قصدوا الصُّعودَ إليها {دُحُوراً} علَّةً للقذفِ أي للدُّحورِ وهو الطَّردُ. أو حالٌ بمعنى مدحورينَ أو مصدرٌ مؤكِّدٌ له لأنَّهما من وادٍ واحدٍ. وقُرىء دَحُوراً بفتح الدَّالِ أي قَذْفاً دَحُوراً مبالغاً في الطَّردِ. وقد جُوِّز أنْ يكونَ مصدراً كالقَبُولِ والولُوعِ {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي ولهم في الآخرةِ غيرُ ما في الدُّنيا من عذاب الرَّجمِ بالشُّهبِ عذابٌ شديد دائمٌ غيرُ منقطعٍ كقوله تعالى: { { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } [سورة الملك: الآية 5] {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} استثناءٌ من واوِ يسمَّعون. ومَن بدلٌ منه والخطفُ الاختلاسُ والمرادُ اختلاسُ كلامِ الملائكةِ مسارقة كما يُعرب عنه تعريفُ الخَطفةِ. وقُرىء بكسرِ الخاءِ والطَّاءِ المشدَّدةِ وبفتحِ الخاء وكسرِ الطَّاءِ وتشديدها، وأصلُهما اختطفَ {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} أي تبعَه ولحقَه. وقُرىء فأتبعَه. والشِّهابُ ما يُرى منقضاً من السَّماءِ {ثَاقِبٌ} مضىءٌ في الغايةِ كأنَّه يثقبُ الجوَّ بضوئهِ يُرجم به الشَّياطينُ إذا صعدُوا لاستراقِ السَّمعِ فيقتلهم أو يحرقُهم أو يخبلُهم. قالُوا: وإنَّما يعودُ من يَسلم منهم حيًّا طمعاً في السَّلامةِ ونيلِ المُرادِ كراكبِ السَّفينةِ.