التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ} بدل من أنابَ وتفسيره له {رَبّ ٱغْفِرْ لِي} أي ما صدرَ عنِّي من الزَّلَّةِ {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِي} لا يتسهل له ولا يكونُ ليكونَ معجزةً لي مناسبةً لحالي فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا نشأَ في بـيتِ الملكِ والنُّبوة وورثهما معاً استدعى من ربِّه معجزةً جامعةً لحكمهما أو لا ينبغي لأحدٍ أنْ يسلَبه منِّي بعد هذه السَّلبةِ أو لا يصحُّ لأحدٍ من بعدي لعظمتِه كقولِك لفلان ما ليسَ لأحدٍ من الفضلِ والمالِ على إرادة وصف الملكِ بالعظمةِ لا أنْ لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وقيل كان مُلكاً عظيماً فخاف أنْ يُعطى مثلَه أحدٌ فلا يحافظُ على حدودِ الله تعالى. وتقديمُ الاستغفارِ على الاستيهابِ لمزيد اهتمامِه بأمر الدِّينِ جرياً على سَننِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّالحين. وكون ذلك أدخلَ في الإجابةِ. وقُرىء ليَ بفتحِ الياءِ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تعليلٌ للدُّعاءِ بالمغفرةِ والهبةِ معاً لا بالأخيرة فقط فإنَّ المغفرةَ أيضاً من أحكامِ وصفِ الوهَّابـيةِ فقط.

{فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ} أي فذللناها لطاعتِه إجابةً لدعوتِه فعاد أمرُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما كان عليهِ قبل الفتنةِ. وقُرىء الرِّياح {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بـيانٌ لتسخيرِها له {رُخَاء} أي لينةً من الرَّخاوةِ طيبة لا تزعزعُ وقيل: طيعةً لا تمنع عليه كالمأمورِ المنقادِ {حَيْثُ أَصَابَ} أي حيثُ قصدَ وأرادَ. حَكَى الأصمعيُّ عن العربِ أصابَ الصَّوابَ فأخطأَ الجوابَ {وَٱلشَّيَـٰطِينَ} عطفٌ على الرِّيح {كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ} بدلٌ من الشَّياطينَ {وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ} عطفٌ على كلَّ بنَّاءٍ داخلٌ في حُكمِ البدلِ كأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فصَّل الشَّياطينَ إلى عَمَلةٍ استعملهم في الأعمالِ الشَّاقةِ من البناء والغَوص ونحو ذلك وإلى مَرَدةٍ قرن بعضَهم مع بعضٍ في السَّلاسلِ لكفِّهم عن الشرِّ والفسادِ. ولعلَّ أجسامهم شفَّافةٌ فلا تُرى صلبةً فيمكن تقيـيدُها ويقدرون على الأعمال الصَّعبة وقد جُوِّز أن يكون الإقرانُ في الأصفادِ عبارة عن كفِّهم عن الشُّرورِ بطريق التَّمثيلِ. والصَّفدُ القَيدُ وسُمِّي به العطاءُ لأنَّه يرتبط بالمنعمِ عليه وفرَّقوا بـين فعليهما فقالُوا صفَده قيَّده وأصفدَهُ أعطاهُ على عكسِ وَعَد وأَوْعدَ.