التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً
٤٨
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٤٩
-النساء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من الوعيد وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمر بالإيمان ببـيان استحالةِ المغفرةِ بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمَعون في المغفرة كما في قوله تعالى: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } [الأعراف، الآية 169] أي على التحريف { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [الأعراف، الآية 169] والمرادُ بالشرك مُطلقُ الكفرِ المنتظمِ لكفر اليهودِ انتظاماً أولياً فإن الشرْعَ قد نص على إشراك أهلِ الكتابِ قاطبةً وقضى بخلود أصنافِ الكفرةِ في النار، ونزولُه في حق اليهود كما قال مقاتل وهو الأنسبُ بسباق النظمِ الكريم وسياقِه لا يقتضي اختصاصَه بكفرهم بل يكفي اندراجُه فيه قطعاً، بل لا وجهَ له أصلاً لاقتضائه جوازَ مغفرةِ ما دون كفرِهم في الشدة من أنواع الكفرِ أي لا يغفِرُ الكفرَ لمن اتصف به بلا توبةٍ وإيمانٍ لأن الحكمةَ التشريعيةَ مقتضيةٌ لسدّ بابِ الكفرِ، وجوازُ مغفرتِه بلا إيمان مما يؤدّي إلى فتحه ولأن ظلماتِ الكفرِ والمعاصي إنما يسترها نورُ الإيمانِ فمن لم يكن له إيمانٌ لم يغفَرْ له شيءٌ من الكفر والمعاصي {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} عطفٌ على خبر إن، وذلك إشارةٌ إلى الشرك، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُربه في الذكر للإيذان ببُعدِ درجتِه وكونِه في أقصى مراتبِ القُبحِ، أي ويغفر ما دونه في القبح من المعاصي صغيرةً كانت أو كبـيرةً تفضلاً من لدنه وإحساناً من غير توبةٍ عنها لكن لا لكل أحدٍ بل {لِمَن يَشَاء} أي لمن يشاء أن يغفرَ له ممن اتصف به فقط لا بما فوقه، فإن مغفرتَهما لمن اتصف بهما سواءٌ في استحالة الدخولِ تحت المشيئةِ المبْنيةِ على الحكمةِ التشريعيةِ، فإن اختصاصَ مغفرةِ المعاصي من غير توبةٍ بأهل الإيمانِ من متمِّمات الترغيبِ فيه والزجْرِ عن الكفر، ومن علق المشيئةَ بكلا الفعلين وجعل الموصولَ الأولَ عبارةً عمن لم يتُبْ والثاني عمن تاب فقد ضل سواءَ السبـيلِ، كيف لا وإن مساقَ النظمِ الكريمِ لإظهار كمالِ عِظَمِ جريمةِ الكفرِ وامتيازِه عن سائر المعاصي ببـيان استحالةِ مغفرتِه وجوازِ مغفرتِها، فلو كان الجوازُ على تقدير التوبةِ لم يظهَرْ بـينهما فرقٌ، للإجماع على مغفرتها بالتوبة، ولم يحصُلْ ما هو المقصودُ من الزجر البليغِ عن الكفر والطغيانِ والحملِ على التوبة والإيمان.

{وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} إظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لزيادة تقبـيحِ الإشراكِ وتفظيعِ حالِ من يتصف به [ولإظهار المهابةِ من الكفر] {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} أي افترى واختلق، مرتكباً إثماً لا يقادَر قدْرُه ويُستحقر دونه جميعُ الآثامِ فلا تتعلق به المغفرةُ قطعاً.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} تعجيبٌ من حالهم المنافيةِ لما هم عليه من الكفر والطغيانِ، والمرادُ بهم اليهودُ الذين يقولون: نحن أبناءُ الله وأحبّاؤُه، وقيل: "ناسٌ من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلاء ذنبٌ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم ما عمِلنا بالنهار كُفّر عنا بالليل وما عمِلنا بالليل كُفّر عنا بالنهار" . أي انظُر إليهم فتعجَّبْ من ادعائهم أنهم أزكياءُ عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثمِ العظيمِ أو من ادعائهم التكفيرَ مع استحالة أن يُغفرَ للكافر شيءٌ من كفره أو معاصيه، وفيه تحذيرٌ من إعجاب المرءِ بنفسه وبعمله {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء} عطفٌ على مقدَّر ينساقُ إليه الكلامُ كأنه قيل: هم لا يزكونها في الحقيقة لكَذِبهم وبُطلان اعتقادِهم، بل الله يزكي من يشاء تزكيتَه ممن يستأهِلُها من المرتَضَيْن من عباده المؤمنين، إذ هو العليمُ الخبـيرُ بما ينطوي عليه البشرُ من المحاسن والمساوي وقد وصفهم الله بما هو متصفون به من القباح. وأصلُ التزكيةِ نفيُ ما يُستقبح بالفعل أو بالقول {وَلاَ يُظْلَمُونَ} عطفٌ على جملةٍ قد حُذفت تعويلاً على دِلالة الحالِ عليها وإيذاناً بأنها غنيةٌ عن الذكر أي يعاقَبون بتلك الفَعلةِ القبـيحةِ ولا يظلمون في ذلك العقاب {فَتِيلاً} أي أدنى ظُلمٍ وأصغرَه، وهو الخيطُ الذي في شِقّ النواةِ يُضرب به المثلُ في القِلة والحَقارةِ، وقيل: التقديرُ يثاب المزكّون ولا يُنقص من ثوابهم شيءٌ أصلاً، ولا يساعده مقامُ الوعيد.