التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
١١٦
-المائدة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} معطوف على (إذ قال الحواريون) منصوب بما نَصَبه من المُضمر المخاطَبِ به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، أو بمُضمر مستقلٍّ معطوفٍ على ذلك، أي اذكُرْ للناس وقت قولِ الله عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبـيخاً للكَفَرة وتبكيتاً لهم، فإقرارُه عليه السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمرُه لهم بعبادته عز وجل، وصيغة الماضي لما مرّ من الدلالة على التحقّق والوقوع {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ} الاتخاذُ إما متعدٍّ إلى مفعولين (فإلٰهين) ثانيهما، وإما إلى واحد فهو حال من المفعول، وليس مدارُ أصل الكلامِ أن القول متيَقَّنٌ، والاستفهامَ لتعيـين القائل كما هو المتبادَرُ من إيلاء الهمزةَ المُبتدأ على الاستعمال الفاشي، وعليه قوله تعالى: { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا } [الأنبياء، الآية 62] ونظائرُه، بل على أن المتيقَّنَ هو الاتخاذُ والاستفهامُ لتعيـين أنه بأمره عليه السلام، أو من تلقاء أنفسهم كما في قوله تعالى: { أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } [الفرقان، الآية 17] وقوله تعالى: {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله، أي متجاوزين الله، أو بمحذوفٍ هو صفة لإلٰهين، أي كائنيْن من دونه تعالى، وأياً ما كان فالمرادُ اتخاذُهما بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا } [البقرة، الآية 165] وقولِه عز وجل: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [سورة يونس، الآية 18] إلى قوله سبحانه وتعالى: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } [سورة يونس، الآية 18] إذْ به يتأتّى التوبـيخُ ويتسنّى التقريعُ والتبكيت. ومَنْ توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزاتِ التي ظهرت على يد عيسى ومريمَ عليهما الصلاة والسلام لم يخلُقْها الله تعالى، بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلٰهين مستقلَّيْن، ولم يتخذوه تعالى إلٰهاً في حق ذلك البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحِلَ، وأما من تعمق فقال: إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادةٍ، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ومن لم يعبُده تعالى فقد غفَل عما يُجْديه واشتغل بما لا يَعْنيه كدأب مَنْ قبلة، فإن توبـيخهم إنما يحصُل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً، لا بما يلزَمُه بضربٍ من التأويل، وإظهارُ الاسم الجليل لكونه في حيِّز القولِ المُسند إلى عيسى عليه السلام.

{قَالَ} استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ؟ فقيل: يقول، وإيثارُ صيغة الماضي لما مرّ مراراً {سُبْحَـٰنَكَ} (سبحان) عَلمٌ للتسبـيح، وانتصابُه على المصدرية، ولا يكاد يُذْكر ناصبُه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق، من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعادُ في الأرض، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصةً، المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مُقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى، أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن أقول ذلك أو من أن يقالَ في حقك ذلك، وأما تقديرُ من أن يكونَ لك شريكٌ في الألوهية فلا يساعده سِياقُ النظم الكريم وسياقُه، وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ} استئنافٌ مقرِّر للتنزيه ومبـين للمُنَزَّه منه، و(ما) عبارة عن القول المذكور، أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحِقّ لي أن أقوله، وإيثارُ ليس على الفعل المنفيِّ لظهور دلالتِه على استمرار انتفاءِ الحقية وإفادةِ التأكيد بما في حيزه من الباء، فإن اسمه ضميرُه العائد إلى (ما)، وخبرَه (بحق) والجار والمجرور فيما بـينهما للتبـيـين كما في سُقياً لك أو نحوه.

وقوله تعالى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} استئناف مقرِّرٌ لعدم صدور القولِ المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني، فإن صدورَه عنه مستلزِمٌ لعلمه تعالى به قطعاً، فحيثُ انتفى علمُه تعالى به انتفى صدورُه عنه حتماً ضرورةَ أن عدمَ اللازم مستلزِمٌ لعدم الملزوم {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى} استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله كأنه قيل: لأنك تعلم ما أُخفيه في نفسي، فكيف بما أُعلنُه؟ وقوله تعالى: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} بـيانٌ للواقع وإظهارٌ لقصوره، أي ولا أعلم ما تُخفيه من معلوماتك، وقوله: {فِى نَفْسِكَ} للمشاكلة. وقيل: المرادُ بالنفس هو الذاتُ، ونسبةُ المعلومات إليها لما أنها مرجعُ الصفات التي من جملتها العلمُ المتعلِّقُ بها، فلم يكن كنسبتها إلى الحقيقة. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تعليلٌ لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً.