التفاسير

< >
عرض

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
٣٧
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٣٨
-المائدة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ مما قبله، كأنه قيل: فكيف يكون حالُهم؟ أو ماذا يصنعون؟ فقيل: يريدون الخ، وقد بـين في تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار، قيل: إنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرَج فيلفَحُهم لهَبُ النار ويرفعُهم إلى فوق، فهناك يريدون الخروج ولاتَ حين مناصٍ، وقيل: يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادةِ رفعِها إياهم، وقيل: يتمنّونه ويريدونه بقلوبهم وقوله عز وجل: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا} إما حالٌ من فاعل يريدون، أو اعتراضٌ، وأياً ما كان فإيثارُ الجملة الاسمية على الفعلية مصدّرةً بما الحجازية الدالة بما في خبرها من الباء على تأكيد النفي لبـيان كمالِ سوءِ حالهم باستمرار عدم خروجِهم منها، فإن الجملة الاسمية الإيجابـية كما تفيدُ بمعونة المقام دوامَ الثبوت تفيد السلبـيةَ أيضاً بمعونةِ دوامِ النفي لا نفْيِ الدوام، كما مر في قوله تعالى: { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } [المائدة، الآية 28] الخ، وقرىء (أن يُخرَجوا) على بناء المفعول من الإخراج {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تصريح بما أشير إليه آنفاً من عدم تناهي مدتِه بعد بـيان شدتِه.

{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} شروعٌ في بـيان حكم السرقةِ الصُّغرى بعد بـيان أحكام الكبرى، وقد عرفت اقتضاءَ الحال لإيراد ما توسّط بـينهما من المقال، ولمّا كانت السرقة معهودةً من النساء كالرجال صرح بالسارقة أيضاً مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراجُ النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة لمزيد الاعتناءِ بالبـيان والمبالغةِ في الزجْر، وهو مبتدأ خبرُه عند سيبويه محذوفٌ تقديرُه وفيما يتلى عليكم أو وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسارقةُ أي حكمُهما وعند المبرِّد قوله تعالى: {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، إذ المعنى الذي سرق والتي سرقت، وقُرىء بالنصب وفضَّلها سيبويه على قراءة الرفع، لأن الإنشاء لا يقع خبراً إلا بتأويلٍ وإضمار، والسرقةُ أخذُ مال الغير خُفْيةً، وإنما توجب القطعَ إذا كان الأخذ من حِرزٍ والمأخوذُ يساوي عشرةَ دراهِمَ فما فوقها مع شروط فُصِّلت في موقعها، والمراد (بأيديَهما) أيمانُهما كما يُفصحُ عنه قراءةُ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: والسارقاتُ فاقطعوا أيمانهم، ولذلك ساغ وضعُ الجمْع موضعَ المثنى كما في قوله تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [التحريم، الآية 4] اكتفاءً بتثنية المضاف إليه، واليد اسمٌ لتمام الجارحة، ولذلك ذهب الخوارجُ إلى أن المقطَعَ هو المنكب، والجمهورُ على أنه الرُّسُغ، لأنه عليه الصلاة والسلام أُتيَ بسارقٍ فأمر بقطع يمينِه منه.

{جَزَاء} نُصبَ على أنه مفعولٌ له أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدرٌ مؤكِّد لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا، أي فجاوزوهما جزاء، وقوله تعالى: {بِمَا كَسَبَا} على الأول متعلّقٌ بجزاءً وعلى الثاني فاقطعوا، و(ما) مصدريةٌ، أي بسبب كسْبِهما أو موصولةٌ أي ما كسباه من السرقة التي تباشَر بالأيدي، وقوله تعالى: {نَكَـٰلاً} مفعولٌ له أيضاً على البدلية من (جزاءً) لأنهما من نوع واحد، وقيل: القطعُ معلَّلٌ بالجزاء، والقطعُ المعللُ معلَّلٌ بالنَّكال، وقيل: هو منصوبٌ بجزاءً على طريقة الأحوال المتداخِلَة، فإنه علةٌ للجزاء، والجزاءُ علةٌ للقطع كما إذا قلتَ: ضربتُه تأديباً له إحساناً إليه، فإن الضربَ معلَّلٌ بالتأديب والتأديبُ معللٌ بالإحسان، وقد أجازوا في قوله عز وجل: { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } [البقرة، الآية 90] أن يكون (بغياً) مفعولاً له ناصبُه أن يكفروا، ثم قالوا: إن قوله تعالى: {أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ} مفعولٌ له ناصبُه بغياً على أن التنزيلَ عَلةٌ للبغي، والبغْيَ علةٌ للكفر، وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لنكالاً كائناً منه تعالى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره يُمضيه كيف يشاء من غير نِدٍّ ينازعُه ولا ضدٍّ يمانعُه {حَكِيمٌ} في شرائعه لا يَحكُم إلا بما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة، ولذلك شرَعَ هذه الشرائعَ المنطويةَ على فنون الحِكَمِ والمصالح.