التفاسير

< >
عرض

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢
وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
٢٣
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
٢٤

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} هيَ النفخةُ الثانيةُ {ذٰلِكَ} أيْ وقتُ ذلكَ النفخِ عَلَى حذفِ المضافِ {يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ} أيْ يومُ إنجازِ الوعيدِ الواقعِ في الدُّنيا أيْ يومُ وقوعِ الوعيدِ على أنَّه عبارةٌ عن العذابِ الموعودِ وقيلَ ذلكَ إشارةٌ إِلى الزمانِ المفهومِ منْ نُفِخَ فإنَّ الفعلَ كَما يدلُّ عَلى الحدثِ يدلُّ عَلى الزمانِ وتخصيصُ الوعيد بالذكرِ معَ أنَّه يومُ الوعدِ أيضاً لتهويلِه ولذلكَ بدىءَ ببـيانِ حالِ الكفرةِ.

{وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ} منَ النفوسِ البرةِ والفاجرةِ {مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} وإنِ اختلفتْ كيفيةُ السَّوقِ والشهادةِ حسبَ اختلافِ النفوسِ عملاً أيْ مَعها ملكانِ أحدُهما يسوقُها إلى المحشرِ والآخرُ يشهدُ بعملِها أو ملكٌ جامعٌ بـينَ الوصفينِ كأنَّه قيلَ معَها ملكٌ يسوقُها ويشهدُ علَيها وقيلَ السائقُ كاتبُ السيئاتِ والشهيدُ كاتبُ الحسناتِ وقيلَ السائقُ نفسُه أو قرينُه والشهيدُ جوارحُه أوْ أعمالُه ومحلُّ مَعَها النصبُ عَلى الحاليِّةِ منْ كُلُّ لإضافتِه إلى ما هُوَ في حُكمِ المعرفةِ كأنَّه قيلَ كُلُّ النفوسِ أو الجرُّ عَلى أنَّه وصفٌ لنفسٍ أو الرفعُ عَلى أنَّه وصفٌ لكلّ وقولُه تعالَى:

{لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا} محكيٌّ بإضمارِ قولٍ هُو إمّا صفةٌ أُخرى لنفسٍ أو حالٌ أخرَى منْها أو استئنافٌ منبـيٌّ على سؤال نشأ مما قبلَهُ كأنَّه قيلَ فماذا يفعلُ بها فقيلَ يقالُ لقدِ كنتَ في غفلةٍ إلخ، وخطابُ الكُلِّ بذلكَ لما أنَّه ما منْ أحدٍ إلا ولَهُ غفلةٌ ما عنِ الآخرةِ، وقيلَ الخطابُ للكافرِ وقُرِىءَ كُنْتِ بكسرِ التاءِ على اعتبارِ تأنيثِ النفسِ والتذكيرُ عَلى القراءةِ المشهورةِ بتأويلِ الشخصِ كما في قول جَبلةَ بنِ حُريث:

يا نفسُ إِنكَ باللذاتِ مسرورفاذكرْ فهلْ ينفعَنْك اليومَ تذكيرُ

{فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ} الغطاء: الحجابُ المُغطِّي لأمورِ المعادِ وهو الغفلةُ والإنهماكُ في المحسوساتِ والألْفُ بها وقصرُ النظرِ عَلَيها {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} نافذٌ لزوالِ المانعِ للإبصارِ وَقُرِىءَ بكسرِ الكافِ في المواضعِ الثلاثةِ {وَقَالَ قَرِينُهُ} أي الشيطانُ المُقيَّضُ لهُ مشيراً إليهِ {هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ} أيْ هَذا مَا عِنْدي وَفي ملكتِي عتيدٌ لجهنَم قدْ هيأتُه لهَا بإغوائِي وإضلالِي وَقيلَ قالَ المَلكُ الموكلُ بهِ مشيراً إِلى مَا معهُ منْ كتابِ عملهِ هذا مكتوبٌ عندِي عتيدٌ مهيأٌ للعرض، وما إن جعلت موصوفة فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فهي بدل مِنْهَا أو خبرٌ بعدَ خبرٍ أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ} خطابٌ منَ الله تعالَى للسائقِ والشهيدِ أو للملكينِ منْ خَزَنةِ النارِ أو لواحدٍ عَلى تنزيلِ تثنيةِ الفاعلِ منزلَة تثنيةِ الفعلِ وتكريرِه كقولِ مَنْ قالَ:

فإنْ تزجُرانِي يَا ابْنَ عفانَ أنزجِروإنْ تدعانِي أحمِ عرضاً ممنَّعاً

أوْ عَلى أنَّ الألفَ بدلٌ منْ نونِ التأكيدِ على إجراءِ الوصلِ مُجرَى الوقفِ ويؤيدُه أنه قُرِىءَ أَلقِيَنْ بالنُّونِ الخفيفةِ {عَنِيدٍ} معاندُ للحقِّ.