التفاسير

< >
عرض

فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
٢٦
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ
٢٧
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ
٢٨
فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ
٢٩
قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ
٣٠
-الذاريات

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أيْ ذهبَ إليهمْ عَلى خُفيةٍ منْ ضيفِه فإنَّ منْ أدبِ المضيفِ أنْ يبادَرهُ بالقِرى ويبادرَ بهِ حذاراً مِنْ أن يكفَهُ ويعذَرهُ أو يصيرَ مُنتْظراً والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} فصيحةٌ مفصحةٌ عنْ جُمَلٍ قَدْ حُذفتْ ثقةً بدلالةِ الحالِ عَلَيْها وإيذاناً بكمالِ سرعةِ المجىءِ بالطعامِ كما في قولِه تعالَى: { { أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } [سورة الشعراء، الآية 63] أيْ فذبحَ عجلاً فحنذَهُ فجاءَ بهِ {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} بأنْ وضعَهُ لديهم حسَبما هُو المعتادُ {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} إِنْكاراً لعدمِ تعرضِهم للأكلِ {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ} أضمرَ في نفسِه {خِيفَةً} لتوهمِ أنَّهم جاءُوا للشرِّ وقيلَ وقعَ في قلبِه أنَّهم ملائكةٌ جاءوا للعذابِ {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} قيلَ مسحَ جبريلُ عليهِ السلامُ العجلَ بجناحِه فقامَ يدرُجُ حتَّى لحقَ بأُمِّهِ فعرفَهُم وأمِنَ منهُم {وَبَشَّرُوهُ} وفي سورةِ الصافاتِ وبشرناهُ أيْ بواسطتِهم {بِغُلَـٰمٍ} هو إسحاقُ عليهِ السَّلامُ {عَلِيمٌ}عند بلوغِه واستوائِه {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ} سارةُ لمَّا سمعتْ بشارتَهمُ إلي بـيتِها وكانتْ في زاويةٍ تنظرُ إليهمْ {فِى صَرَّةٍ} في صيحةٍ من الصريرِ، ومحلُّه النَّصبُ عَلى الحاليّةِ أو المفعوليةِ إنْ جُعلَ أقبلتْ بمَعْنى أخذتْ كما يقالُ أقبلَ يشتُمنِي {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أيْ لطمتْهُ منَ الحياءِ لما أنَّها وجدتْ حرارةَ دمِ الطمثِ وقيلَ ضربتْ بأطرافِ أصابعِها جبـينَها كما يفعلُه المتعجب {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أيْ أنَا عجوزٌ عاقرٌ فكيفَ ألدُ.

{قَالُواْ كَذَلِكِ} مثلَ ذلكَ القولِ الكريمِ {قَالَ رَبُّكِ} وَإنَّما نحنُ معبرونَ نخبركِ بهِ عنْهُ تعالَى لاَ أنَّا نقولُه منْ تلِقاءِ أنفسِنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} فيكونُ قولُه حقاً وفعلُه متقناً لا محالةَ. رُويَ أنَّ جبريلَ عليهِ السَّلامُ قالَ لهَا انْظُري إلى سقفِ بـيتك فنظرتْ فإذَا جذوعُه مورقةٌ مثمرةٌ، ولَمْ تكُنْ هذهِ المفاوضةُ معَ سارةَ فقطْ بلْ معَ إبراهيَم عليهِ السَّلامُ أَيْضاً حسبَما شُرحَ في سورةِ الحِجْر وإنَّما لَمْ يُذكِرْ هَهُنا اكتفاءً بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هناك سارة اكتفاءً بما ذكر ههنا وفي سورةِ هودٍ.