التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢١
-الأنعام

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود والنصارى أُخِّر عن تعيـين الشهيد مسارعةً إلى إلزامهم بالجواب عن تحكّمهم بقولهم: فأرنا من يشهد لك الخ، والمرادُ بالموصول اليهودُ والنصارى، وبالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل، وإيرادُهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ} أي يعرفون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من جهة الكتابَـيْن بحِلْيته ونُعوتِه المذكورة فيهما {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} بحِلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلاً. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال عمرُ رضي الله عنه لعبد اللَّه بن سلام: أنزل الله تعالى على نبـيه هذه الآيةَ وكيف هذه المعرفة؟ فقال: يا عمر، لقد عرفتُه فيكم حين رأيته كما أعرِف ابني، ولأنا أشدُّ معرفةً بمحمدٍ مني بابني، لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حقٌّ من الله تعالى.

{ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} من أهل الكتابـين والمشركين بأن ضيّعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البـينات الموجبةِ للإيمان بالكلية {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لما أنهم مطبوعٌ على قلوبهم، ومحل الموصول الرفعُ على الابتداء وخبرُه الجملة المصدرةُ بالفاء لِشَبَه الموصول بالشرط، وقيل: على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي هم الذين خسروا الخ، وقيل: على أنه نعتٌ للموصول الأول، وقيل: النصبُ على الذم، فقوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} على الوجوه الأخيرة عطفٌ على جملة {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} الخ.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بوصفهم النبـيَّ الموعودَ في الكتابـين بخلاف أوصافِه عليه الصلاة والسلام فإنه افتراءٌ على الله سبحانه وبقولهم: الملائكةُ بناتُ الله، وقولِهم: { هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس، الآية 18]، ونحو ذلك، وهو إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكونَ أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له، وإن كان سبكُ التركيب غيرَ متعرِّض لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العُرف الفاشي، والاستعمالُ المطَّرد، فإنه إذا قيل: من أكرمُ من فلانٍ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم، وأفضلُ من كل فاضل، ألا يُرى إلى قوله عز وجل: { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } [هود، الآية 22] بعد قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الخ، والسرُّ في ذلك أن النسبةَ بـين الشيئين إنما تُتصوَّر غالباً ـ لا سيما في باب المغالبة ـ بالتفاوُت زيادةً ونُقصاناً، فإذا لم يكن أحدُهما أزيدَ يتحقق النُقصانُ لا محالة {أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} كأن كذّبوا بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقةُ بأنهم يعرِفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرِفون أبناءهم، وبالمُعجزات وسمَّوْها سحراً، وحرفوا التوراة وغيّروا نُعوته عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك تكذيبٌ بآياته تعالى، وكلمةُ (أو) للإيذان بأن كلاًّ من الافتراء والتكذيب وحدَه بالغٌ غايةَ الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بـينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفَوْا ما أثبته، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

{إِنَّهُ} الضمير للشأن، ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبهمٌ له خطرٌ فيبقىٰ الذهن مترقباً لما يعقبُه فيتمكّن عند وروده له فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل: إن الشأن الخطيرَ هذا هو {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب، وإذا كان حالُ الظالمين هذا فما ظنُّك بمن في الغاية القاصيةِ من الظلم.