التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٩٤
-الأنعام

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعَم أنه تعالى بعثه نبـياً كمسيلِمةَ الكذابِ والأسودِ العنسيِّ أو اختلق عليه أحكاماً من الحِلِّ والحُرمة كعَمْرِو بنِ لُحَيَ ومتابعيه أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإن كان سبكُ التركيبِ على نفي الأظلمِ منه وإنكارِه من غير تعرضٍ لنفْي المساوي وإنكارِه فإن الاستعمالَ الفاشيَ في قولك: مَنْ أفضلُ من زيدٍ أو لا أكرمَ منه على أنه أفضلُ من كل فاضلٍ وأكرمُ من كل كريم، وقد مر تمامُ الكلام فيه {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ} من جهته تعالى {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ} أي والحال أنه لم يوح إليه {شَىْء} أصلاً (كعبد اللَّه بنِ سعدِ بنِ أبـي سَرْح كان يكتُب للنبـي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } فلما بلغ { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } [المؤمنون، الآية 14] قال عبد اللَّه: تبارك الله أحسنُ الخالقين تعجباً من تفصيل خلقِ الإنسان ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اكتُبها كذلك» فشك عبدُ اللَّه وقال: لئن كان محمد صادقاً فقد أُوحيَ إلي كما أوحيَ إليه ولئن كان كاذباً فقد قلت كما قال). {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ} كالذين قالوا: { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } [الأَنفال، الآية 31].

{وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} حُذف مفعولُ ترى لدِلالة الظرفِ عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم {فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي شدائده من غَمَره إذا غشِيَه {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ} بقبض أرواحِهم كالمتقاضي الملظ المُلِحّ يبسُط يدَه إلى من عليه الحقُّ ويعنِّف عليه في المطالبة من غير إمهالٍ وتنفيسٍ، أو باسطوها بالعذاب قائلين: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} أي أخرجوا أرواحَكم إلينا من أجسادكم أو خلِّصوا أنفسكم من العذاب {ٱلْيَوْمَ} أي وقتَ الإماتة أو الوقتَ الممتدّ بعده إلى ما لا نهاية له{تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي العذابَ المتضمِّنَ لشدةٍ وإهانةٍ فإضافتُه إلى الهون وهو الهوانُ لعراقته فيه {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ} كاتخاذ الولد له ونسبةِ الشريك إليه وادعاءِ النبوة والوحيِ كاذباً {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها.

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب {فُرَادَىٰ} منفردين عن الأموال والأولاد وغيرِ ذلك مما آثَرْتُموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنامِ التي كنتم تزعُمون أنها شفعاؤكم وهو جمع فَرْد والألفُ للتأنيث ككسالى وقرىء (فِراداً) كرجال وفَرادَ كثلاثَ وفَرْدَى كسَكْرى {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حالٌ ثانية عند من يجوِّزُ تعددَها أو حال من الضمير في فرادى أي مُشْبِهين ابتداءَ خلقِكم عُراةً حُفاة غُرْلاً بُهْماً أو صفةُ مصدرِ (جئتمونا) أي مجيئاً كخلقنا لكم أول مرة {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ} تفضّلناه عليكم في الدنيا فشُغِلتم به عن الآخرة {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} ما قدمتم منه شيئاً ولم تحمِلوا نقيراً {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء} أي شركاءُ الله تعالى في الربوبـية واستحقاقِ العبادة {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي وقع التقطعُ بـينكم كما يقال: جمع بـين الشيئين أي أوقع الجمعَ بـينهما وقرىء (بـينُكم) بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال: قوتل أمامُكم وخلفُكم أو على أن البـينَ اسمٌ للفصل والوصل أي تقطع وصلُكم وقرىء ما بـينَكم {وَضَلَّ عَنكُم} أي ضاع أو غاب {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم أو أن لا بعثَ ولا جزاء.