التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٦١
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٦٢
-الأعراف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} منصوب بمضمر خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام وإيرادُ الفعلِ على البناء للمفعول مع استناده إليه تعالى ـ كما يفصِحُ عنه ما وقع في سورة البقرة من قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا } [البقرة: 34, 58] للجري على سنن الكبرياء والإيذان بالغِنى عن التصريح به لتعين الفاعلِ، وتغيـيرُ النظمِ بالأمر بالذكر للتشديد في التوبـيخ أي اذكر لهم وقت قولِه تعالى لأسلافهم: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} منصوب على المفعولية، يقال: سكنت الدارَ وقيل: على الظرفية اتساعاً، وهي بـيتُ المقدس وقيل: أريحا وهي قريةُ الجبارين وكان فيها قومٌ من بقية عادٍ يقال لهم: العمالقةُ (على) رأسهم عوجُ بنُ عنقٍ وفي قوله تعالى: {ٱسْكُنُواْ} إيذانٌ بأن المأمورَ به في سورة البقرة هو الدخولُ على وجه السُّكنى والإقامة، ولذلك اكتُفي به عن ذكر رغداً في قوله تعالى: {وَكُلُواْ مِنْهَا} أي من مطاعمها وثمارِها على أن من تبعيضيةٌ أو منها على أنها ابتدائية {حَيْثُ شِئْتُمْ} أي من نواحيها من غير أن يزاحمَكم فيها أحدٌ فإن الأكلَ المستمرَّ على هذا الوجه لا يكون إلا رغداً واسعاً، وعطفُ كلوا على اسكُنوا بالواو لمقارنتها زماناً بخلاف الدخولِ فأنه مقدمٌ على الأكل ولذلك قيل هناك: فكلوا {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتُنا أو أمرُك حِطةٌ لذنوبنا وهي فِعلة من الحَطّ كالجِلسة {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} أي بابَ القرية {سُجَّدًا} أي متطامنين مُخبتين أو ساجدين شكراً على إخراجهم من التيه، وتقديمُ الأمر بالدخول على الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غيرُ مُخلٍّ بهذا الترتيب لأن المأمورَبه هو الجمعُ بـين الفعلين من غير اعتبارِ الترتيبِ بـينهما ثم إن كان المرادُ بالقرية أريحاءَ فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيلَ أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ففتحها كما مر في سورة المائدة، وأما إن كان بـيتَ المقدس فقد رُوي أنهم لم يدخُلوه في حياة موسى عليه السلام فقيل: المرادُ بالباب بابُ القُبة التي كانوا يصلّون إليها {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ} وقرىء خطاياكم كما في سورة البقرة، وتُغفَرْ لكم خطيئاتُكم وخطاياكم وخطيئتُكم على البناء للمفعول {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} عِدةٌ بشيئين بالمغفرة وبالزيادة، وطرحُ الواوا هٰهنا لا يُخِل بذلك لأنه استئنافٌ مترتبٌ على تقدير سؤال نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل: فماذا لهم بعد الغفرانِ؟ فقيل: سنزيد وكذلك زيادةٌ منهم زيادةَ بـيان.

{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} بما أمروا به من التوبة والاستغفارِ حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعَه {قَوْلاً} آخرَ مما لا خيرَ فيه. روي أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكانَ حطةٌ: حنطةٌ وقيل: قالوا بالنبطية حطاً شمقاثاً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله تعالى واستهزاءً بموسى عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: {غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ} نعتٌ لقولاً، صرّح بالمغايرة مع دِلالة التبديلِ عليها قطعاً تحقيقاً للمخالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} إثرَ ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير، وفي سورة البقرة { عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } والمعنى واحدٌ والإرسالُ من فوق فيكون كالإنزال {رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء} عذاباً كائناً منها والمراد الطاعون. روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعةٌ وعشرون ألفاً {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} بسبب ظلمِهم المستمرِّ السابق واللاحقِ حسبما يفيده الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ لا بسبب التبديلِ فقط كما يُشعر به ترتيبُ الإرسالِ عليه بالفاء، والتصريحُ بهذا التعليل لما أن الحُكم هٰهنا مترتبٌ على المضمر دون الموصولِ بالظلم كما في سورة البقرة، وأما التعليلُ بالفسق بعد الإشعارِ بعلّية الظلمِ فقد مر وجهُه هناك والله تعالى أعلم.