التفاسير

< >
عرض

فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٨٣
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٨٤
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٨٥
-الأعراف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ} أي المؤمنين منهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} استثناءٌ من أهله فإنها كانت تُسِرّ بالكفر {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} أي الباقين في ديارهم الهالِكين فيها، والتذكيرُ للتغليب ولبـيان استحقاقِها لما يستحقه المباشِرون للفاحشة، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاءِ، كأنه قيل: فماذا كان حالُها؟ فقيل: كانت من الغابرين {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بـينه قوله تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } [الحجر، الآية 74] قال أبو عبـيدة: مُطر في الرحمة وأُمطِر في العذاب. وقال الراغب: مُطر في الخير وأُمطر في العذاب، والصحيح أن أَمطَرنا بمعنى أرسلنا عليهم إرسالَ المطر. قيل: كانت المؤتَفِكةُ خمسَ مدائن، وقيل: كانوا أربعةَ آلافٍ بـين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكِبريتَ والنارَ، وقيل: خَسَف بالمقيمين منهم وأُمطرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذّاذهم، وقيل: أُمطر عليهم ثم خُسِف بهم. ورُوي أن تاجراً منهم كان في الحرَم فوقف الحجرُ له أربعين يوماً حتى قضى تجارتَه وخرج من الحرم فوقع عليه، وروي أن امرأتَه التفتت نحوَ ديارِها فأصابها حَجَرٌ فماتت {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَتْ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} خطابٌ لكل من يتأتى منه التأملُ والنظرُ تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أعمالهم.

{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} عطفٌ على قوله: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } [الأعراف، الآية 65] وما عُطف عليه، وقد روعيَ هٰهنا ما في المعطوف عليه في تقديم المجرورِ على المنصوب، أي وأرسلنا إليهم وهم أولادُ مدينَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام وشعيبُ بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ، وكان يقال له: خطيبُ الأنبـياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكايـيل والموازين مع كفرهم {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌ على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: { يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} مر تفسيرُه مراراً {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ} أي معجزةٌ وقوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} متعلقٌ بجاءتْكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ، أي بـينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه عليه السلام في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبـي صلى الله عليه وسلم فمنها ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها، ومنها وقوعُ عصا آدمَ عليه السلام على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ موسى عليه السلام. وقيل: البـينةُ مجيئُه عليه السلام كما في قوله تعالى: { يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّي } [هود: 38 ، 88] أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ، عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي المكيالَ كما وقع في سورة هودٍ ويؤيده قولُه تعالى: {وَٱلْمِيزَانَ} فإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونُه مصدراً كالمعيار وقيل: آلةَ الكيل والوزن على الإضمار، والفاءُ لترتيب الأمرِ على مجيء البـينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبةٌ للاجتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان، فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ، وقيل: كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه، قال زهير: [الطويل]

أفي كل أسواقِ العراقِ إِتاوةٌوفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ

{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي بالكفر والحيف {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} بعد ما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبـياءُ وأتابعُهم بإجراء الشرائعِ، أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدّقين لي في قولي هذا.