التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ
٣٥
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
٣٦
عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ
٣٧
أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ
٣٨
كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
٣٩
فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ
٤٠
عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
٤١
-المعارج

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصوفينَ بما ذُكِرَ من الصفاتِ، وما فيهِ من مَعْنَى البعد مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِم للإيذانِ بعلوِّ شأنِهِم وبُعدِ منزلَتهِم في الفضلِ وهو مبتدأٌ خبرُهُ {فِي جَنَّـٰتِ} أي مستقرونَ في جناتٍ لا يُقادَرُ قَدرُهَا ولا يُدرَكُ كُنْهُهَا. وقوله تعالَى: {مُّكْرَمُونَ} خبرٌ آخرُ، أو هُو الخبرُ وفي جناتٍ متعلقٌ بهِ قُدِّمَ عليهِ لمراعاةِ الفواصلِ، أو بمضمرٍ هو حالٌ من الضميرِ في الخبرِ أي مكرمونَ كائنينَ في جنَّاتٍ.

{فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قَبْلِكَ} حولَكَ {مُهْطِعِينَ} مُسرعينَ نحوكَ مادِّي أعناقِهِم إليكَ مقبلينَ بأبصارِهِم عليكَ {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ عِزِينَ} أي فِرَقاً شتَّى جمعُ عِزَةٍ، وأصلُهَا عِزْوَةٌ من العِزِّ، وكأنَّ كلَّ فرقةٍ تعتزِي إلى غيرِ من تعتزِي إليهِ الأُخرى، كانَ المُشركونَ يحلّقونَ حولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حِلقاً حِلقاً وفِرقاً فِرقاً ويستهزئونَ بكلامِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويقولونَ إنْ دخلَ هؤلاءِ الجنَّةَ كما يقولُ محمدٌ فلندخلنَّها قبلَهُم فنزلتْ {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} بلا إيمانٍ{كَلاَّ} ردعٌ لهم عن ذلكَ الطمعِ الفارغِ {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّمَّا يَعْلَمُونَ} قيلَ هو تعليلٌ للردعِ والمَعْنَى إنا خلقناهُم من أجلِ ما يعلمونَ كما في قولِ الأَعْشَى:

أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى ابتكارَاوَشَطَّتْ عَلَى ذِي هَوَى أنْ تَزَارَا

وهو تكميلُ النفسِ بالإيمانِ والطاعةِ فمنْ لَمْ يستكملْهَا بذلكَ فهو بمعزلٍ من أنْ يُبوأ مبوأَ الكاملينَ فمن أينَ لهُم أن يطمعُوا في دخولِ الجنةِ وهم مكبونَ على الكفرِ والفسوقِ وإنكارِ البعثِ، وقيل معناهُ إنَّا خلقناهُم مما يعلمونَ من نطفةٍ مذِرةٍ فمن أينَ يتشرفونَ ويدّعُونَ التقدمَ ويقولونَ لندخلنَّ الجنةَ قبلَهُم، وقيلَ إنهم مخلوقونَ من نطفةٍ قذرةٍ لا تناسبُ عالمَ القدسِ فمتَى لم تستكملِ الإيمانَ والطاعةَ ولم تتخلقْ بالأخلاقِ الملكيةِ لم تستعدَّ لدخولِهَا ولا يَخْفَى ما في الكلِّ من التمحلِ والأقربُ أنَّه كلامٌ مستأنفٌ قد سبقَ تمهيداً لما بعدَهُ من بـيانِ قدرتِهِ تعالَى على أنْ يُهلكهم لكُفرِهِم بالبعثِ والجزاءِ واستهزائِهِم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وبما نزلَ عليهِ منَ الوحيِ وادعائِهِم دخولَ الجنةِ بطريقِ السخريةِ وينشىءَ بدلَهُم قوماً آخرينَ فإن قدرَتَهُ تعالَى على ما يعلمونَ من النشأةِ الأُولى حجةٌ بـينةٌ على قدرتِهِ تعالَى على ذَلكَ كما يفصحُ عنهُ الفاءُ الفصيحةُ في قولِهِ تعالَى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ} والمَعْنَى إذَا كانَ الأمرُ كما ذُكِرَ من أنَّا خلقناهُم مما يعلمونَ فأقسمُ بربِّ المشارقِ والمغاربِ. {إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ} أيْ نُهلكهُم بالمرةِ حسبَما تقتضيهِ جناياتُهُم ونأتي بدلَهُم بخلقٍ آخرينَ ليسُوا على صفتِهِم {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} بمغلوبـينَ إنْ أرَدْنَا ذلكَ لكنْ مشيئتُنَا المبنيةُ على الحكمِ البالغةِ اقتضتْ تأخيرَ عقوباتِهِم.