التفاسير

< >
عرض

يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً
٧
وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
٨
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً
٩
إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً
١٠
فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
١١
-الإنسان

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

وقولُه تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيان ما لأجلِه رُزقُوا ما ذُكِرَ من النعيمِ مشتملٌ على نوع تفصيلٍ لما ينبىءُ عنه اسمُ الأبرارِ إجمالاً كأنَّه قيلَ: ماذَا يفعلونَ حتَّى ينالُوا تلكَ الرتبةَ العاليةَ؟ فقيلَ: يُوفون بما أَوجبُوه على أنفسِهم فكيفَ بما أوجبَهُ الله تعالَى عليهم {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ} عذابُه {مُسْتَطِيراً} فاشياً مُنتشراً في الأقطارِ غايةَ الانتشارِ، من استطارَ الحريقُ والفجرُ وهُو أبلغُ من طارَ بمنزلة استنفرَ منْ نفرَ {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ} أي كائنينَ على حُبِّ الطَّعامِ والحاجةِ إليهِ كما في قولِه تعالَى: { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [سورة آل عمران، الآية 92] أي على حُبِّ الإطعامِ بأنْ يكونَ ذلكَ بطيبِ النفسِ أو كائنينَ على حُبِّ الله تعالَى أو إطعاماً كائناً على حُبِّه تعالَى وهُو الأنسبُ لما سيأتِي من قولِه تعالَى لوجهِ الله {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أيَّ أسيرٍ "فإنَّه كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤتَى بالأسيرِ فيدفعُه إلى بعضِ المسلمينَ فيقولُ: أَحْسِنْ إليهِ" أو أسيراً مؤمناً فيدخلُ فيه المملوكُ والمسجونُ وقد سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغريمَ أسيراً فقال: "غَريمُكَ أسيرُكَ فأحسِنْ إلى أسيرِكَ" {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} على إرادة قولٍ هو في موقع الحالِ من فاعلِ يطعمونَ أي قائلينَ ذلكَ بلسانِ الحالِ أو بلسانِ المقالِ إزاحةً لتوهمِ المنِّ المبطلِ للصدقةِ وتوقعِ المكافأةِ المنقصةِ للأجرِ. وعن الصديقةِ رضيَ الله تعالَى عنها أنَّها كانتْ تبعثُ بالصدقةِ إلى أهلِ بـيتٍ ثم تسألُ الرسولَ ما قالُوا؟ فإذَا ذكرَ دعاءَهُم دعتْ لَهُم بمثلِه ليبقَى ثوابُ الصدقةِ لها خالصاً عندَ الله تعالَى {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً} وهو تقريرٌ وتأكيدٌ لما قبلَهُ.

{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً} أي عذابَ يومٍ {عَبُوساً} يعبسُ فيه الوجُوه أو يُشبه الأسدَ العَبُوسَ في الشِّدةِ والضَّراوةِ {قَمْطَرِيراً} شديدَ العُبوسِ فلذلكَ نفعلُ بكُم ما نفعلُ رجاءَ أنْ يقينَا ربُّنا بذلكَ شرَّه، وقيلَ: هو تعليلٌ لعدم إرادةِ الجزاءِ والشكورِ أي إنَّا نخافُ عقابَ الله تعالى إنْ أردناهُمَا {فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} بسبب خوفِهم وتحفظِهم عنه {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي أعطاهُم بدلَ عبوسِ الفُجَّارِ وحُزنِهم نضرةً في الوجوه وسُروراً في القلوبِ.