التفاسير

< >
عرض

لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٦٨
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٦٩
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٧٠
-الأنفال

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} أي لولا حكمٌ منه تعالى سبق إثباتُه في اللوح المحفوظِ وهو أن لا يعاقبَ المخطىءَ في اجتهاده أو أن لا يعذب أهلَ بدر أو قوماً لم يصرِّح لهم بالنهي، وأما أن الفدية التي أخذوها ستحِل لهم فلا يصلح أن يعد من موانع مساسِ العذاب فإن الحِلَّ اللاحقَ لا يرفع حكمَ الحرمةِ السابقة كما أن الحرمةَ اللاحقة كما في الخمر مثلاً لا ترفع حكمَ الإباحةِ السابقة على أنه قادحٌ في تهويل ما نُعي عليهم من أخذ الفداء {لَمَسَّكُمْ} أي لأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ} أي لأجل ما أخذتم من الفداء {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادَر قدرُه.

{فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ} رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزلت قالوا: الفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوفٍ أي قد أبحت لكم الغنائمَ فكلوا ما غنمتم والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي دعوه فكلوا مما غنمتم وقيل: ما عبارة عن الفدية فإنها من جملة الغنائم ويأباه سباقُ النظمِ الكريم وسياقُه {حَلَـٰلاً} حال من المغنوم أو صفةٌ للمصدر أي أكلاً حلالاً وفائدتهُ الترغيبُ في أكلها وقوله تعالى: {طَيّباً} صفةٌ لحلالاً مفيدةٌ لتأكيد الترغيبِ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في مخالفة أمرِه ونهيِه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفرُ لكم ما فرَط منكم من استباحة الفداءِ قبل ورود الإذنِ فيه ويرحمُكم ويتوبُ عليكم إذا اتقيتموه {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم} أي في مِلكتكم كأن أيديَكم قابضةٌ عليهم {مّنَ ٱلأَسْرَىٰ} وقرىء من الأُسارى {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} خلوصَ إيمانٍ وصحةَ نيةٍ {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء، وقرىء أخَذَ على البناء للفاعل. روي أنها نزلت في العباس كلفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَفدِيَ ابني أخيه عَقيلَ بن أبـي طالب ونوفلَ بنَ الحارث فقال: يا محمد تركتَني أتكفف قريشاً ما بقِيتُ فقال له عليه الصلاة والسلام: "فأين الذهبُ الذي دفعتَه إلى أم الفضلِ وقت خروجِك من مكة وقلت لها: ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بـي حدثٌ فهو لك ولعبد اللَّه وعبـيد اللَّه والفضلِ" فقال العباس: ما يدريك؟ فقال: «أخبرني به ربـي»، قال العباس: فأنا أشهد أنك صادقٌ وأن لا إلٰه إلا الله وأنك عبدُه ورسوله، والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله ولقد دفعتُه إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس بعد حين: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً وإنّ أدناهم ليُضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزمَ ما أُحب أن لي بها جميعَ أموالِ أهل مكة وأنا أنتظر المغفرةَ من ربـي، يتأول به ما في قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنه وعدٌ بالمغفرة مؤكدٌ بما بعده من الاعتراض التذيـيلي.