التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٤
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ
١٦
ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
١٧
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
-المطففين

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{كَلاَّ} ردعٌ للمعتدي الأثيمِ عن ذلكَ القولِ الباطلِ وتكذيبٌ له فيهِ. وقولُه تعالَى: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بـيانٌ لما أدَّى بهم إلى التفوهِ بتلكَ العظيمةِ أي ليسَ في آياتِنا ما يصحُّ أنْ يقالَ في شأنِها مثلُ هذه المقالاتِ الباطلةِ بلْ رَكِبَ على قلوبِهم وغلبَ عليها ما كانُوا بُكسبونَها من الكفرِ والمعاصِي حتى صارتْ كالصدأِ في المرآةِ فحالَ ذاكَ بـينُهم وبـينَ معرفةِ الحقِّ كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العبدَ كلما أذنبَ ذنباً حصلَ في قلبِه نكتةٌ سوادءُ حتى يسودَّ قلبُه" . ولذلكَ قالُوا ما قالُوا والرينُ الصدأُ يقالُ رانَ عليهِ الذنبُ وغانَ عليهِ ريناً وغيناً، ويُقالُ رانَ فيه النومُ أي رسخَ فيهِ، وقُرِىءَ بإدغامِ اللامِ في الراءِ {كَلاَّ} ردعٌ وزجرٌ عن الكسبِ الرائنِ {إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فَلا يكادونَ يَرَونَهُ بخلافِ المؤمنينَ، وقيلَ: هو تمثيلٌ لإهانتِهم بإهانةِ من يُحجبُ عن الدخولِ على الملوكِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ وقَتَادةَ وابنِ أبـي مليكةَ: محجوبونَ عن رحمتِه، وعن ابنِ كيسانَ: عن كرامتِه. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} أي داخِلُو النارِ وثمَّ لتراخِي الرتبةِ فإنَّ صلْيَ الجحيمِ أشدُّ من الإهانةِ والحرمانِ من الرحمةِ والكرامةِ. {ثُمَّ يُقَالُ} لهُم توبـيخاً وتقريعاً من جهةِ الزبانيةِ {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} فذوقُوا عذابَهُ.

{كَلاَّ} ردعٌ عمَّا كانُوا عليهِ بعد ردعٍ وزجرٍ إثرَ زجرٍ. وقولُه تعالَى {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ محلِ كتابِ الأبرارِ بعدَهُ بـيانُ سوءِ حالِ الفُجَّارِ مُتصلاً ببـيانِ سُوءِ حالِ كتابِهم وفيه تأكيدٌ للردعِ ووجوبُ الارتداعِ. وكتابُهم ما كُتبَ من أعمالِهم وعليونَ علمٌ لديوانِ الخيرِ الذي دُوِّنَ فيه كلُّ ما عملتْهُ الملائكةُ وصلحاءُ الثقلينِ منقولٌ من جمعٍ على فعيلٍ من العُلوِّ، سُمِّيَ بذلكَ إمَّا لأنَّه سببُ الارتفاعِ إلى أعالِي الدرجاتِ في الجنةِ وإمَّا لأنَّهُ مرفوعٌ في السماءِ السابعةِ حيثُ يسكنُ الكروبـيونَ تكريماً له وتعظيماً والكلامُ في قولِه تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ} كما مرَّ في نظيرِه.