التفاسير

< >
عرض

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
٢
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
٣
-الأعلى

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

مكية وآيُها تسع عشرة

{سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ} أي نزه اسَمُه عزَّ وجلَّ عن الإلحادِ فيه بالتأويلاتِ الزائغةِ وعن إطلاقِه على غيرِه بوجهٍ يُشعرُ بتشاركِهما فيهِ وعن ذكرِه لاَ عَلى وجهِ الإعظامِ والإجلالِ. والأعلى: إمَّا صفةُ للربِّ وهو الأظهرُ أو للاسمِ. وقُرِىءَ سُبحانَ ربِّـيَ الأَعْلَى. وفي الحديثِ " لما نزلتْ فسبح باسمِ ربِّكَ العظيمِ، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ اجعلُوها في ركوعِكم، فلمَّا نزلَ سبحِ اسمَ ربِّك الأَعْلَى، قالَ اجعلُوها في سُجودِكم" . وكانُوا يقولونَ في الركوعِ اللهمَّ لكَ ركعتُ، وفي السجودِ اللَّهم لكَ سجدتُ. {ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ} صفةٌ أُخرى للربِّ على الوجهِ الأولِ، ومنصوبٌ على المدحِ، على الثَّانِي لئلا يلزمَ الفصلُ بـين الموصوفِ والصفةِ بصفةِ غيرِه، أيْ خلقَ كلَّ شيءٍ فسوَّى خلقَهُ، بأنْ جعلَ له ما به يتأتَّى كمالُه ويتسنَّى معاشُه، وقولُه تعالَى: {وَٱلَّذِى قَدَّرَ} إمَّا صفةٌ أُخْرى للربِّ كالموصول الأولِ، أو معطوفٌ عليهِ وكذا حالُ ما بعدَهُ. قدَّرَ أجناسَ الأشياءِ وأنواعِها وأفرادَها ومقاديرَها وصفاتِها وأفعالَها وآجالَها {فَهَدَىٰ} أيْ فوجَّه كلَّ واحدٍ منَها إلى ما يصدرُ عنْهُ وينبغِي لهُ طبعاً أو اختياراً، ويسرهُ لما خُلقَ له بخلقِ الميولِ والإلهاماتِ ونصبُ الدلائلِ وإنزالِ الآياتِ ولو تتبعتَ أحوالَ النباتاتِ والحيواناتِ لرأيتَ في كلَ منَها ما تحارُ فيه العقولُ. يُروى أنَّ الأفعَى إذَا بلغتْ ألفَ سنةٍ عميتْ وقدْ ألهمَها الله تعالَى أنْ تمسحَ عينَها بورقِ الرازيانجِ الغضِّ، يُردُّ إليها بصرُها، فربَّما كانتْ عندَ عُروضِ العَمَى لها في بريةٍ بـينَها وبـين الريفِ مسافةٌ طويلةٌ فتطويها حتى تهجمَ في بعضِ البساتينِ على شجرة الرازيانجِ لا تُخطئها فتحكَّ عينَها بورَقِها، وترجعَ باصرةً بإذنِ الله عزَّ وجلَّ. ويُروى أنَّ التمساحَ لا يكونُ له دُبرٌ وإنَّما يخرجُ فضلاتِ ما يأكلُه من فمِه حيثُ قيَّضَ الله له طائراً قُدِّر غذاؤُه من ذلكَ، فإذَا رآهُ التمساحُ يفتحُ فمَهَ فيدخُلُه الطائرُ فيأكلُ ما فيهِ، وقد خلقَ الله تعالى له من فوقِ منقارِه ومن تحتِه قرنينِ لئلا يطبقَ عليه التمساحُ فمَهُ. هَذا وأمَّا فنونُ هداياتِه سبحانَهُ وتعالَى للإنسانِ من حيثُ الجسميةُ ومن حيثُ الحيوانيةُ لا سيِّما من حيثُ الإنسانيةُ فممَّا لا يحيطُ به فلكُ العبارةِ والتحريرُ ولا يعلمُه إلا العليمُ الخبـيرُ.