التفاسير

< >
عرض

لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
٩
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
١٠
لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً
١١
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
١٢
فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
١٣
وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ
١٤
وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ
١٥
وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
١٦
أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
١٧
-الغاشية

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} أي لعملها الذي عملتْهُ في الدُّنيا حيثُ شاهدتْ ثمرتَهُ {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} مرتفعةِ المحلِّ أو عليةِ المقدارِ.

{لاَ تُسْمِعُ} أي أنتَ أو الوجوهُ {فِيهَا لَـٰغِيَةً} لغواً أو كلمةً ذاتَ لغوٍ أو نفساً تلغُو فإنَّ كلامَ أهلِ الجنةِ كلَّه أذكارٌ وحكمٌ. وقُرِىءَ لا تُسمعُ على البناءِ للمفعول بالياءِ والتاءِ ورفعِ لاغيةً {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} أيْ عيونٌ كثيرةٌ تجرِي مياهُها، كقولِه تعالَى: { { عَلِمَتْ نَفْسٌ } [سورة التكوير، الآية 14، وسورة الانفطار، الآية 5] {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} رفيعةُ السمكِ أو المقدارِ {وَأَكْوابٍ} جمعُ كوبٍ وهو إناءٌ لا عُروةَ لهُ {مَّوْضُوعَةٌ} أي بـينَ أيديهِم {وَنَمَارِقُ} وسائدُ جمعُ نمرقة بالفتحِ والضمِّ {مَصْفُوفَةٌ} بعضُها إلى بعضٍ {وَزَرَابِيُّ} أي بسطٌ فاخرةٌ جمعُ زُرْبـيَّةٌ {مَبْثُوثَةٌ} أيْ مبسوطةٌ {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} استئنافٌ مسوقٌ لتقريرِ ما فصلَ من حديثِ الغاشيةِ وما هو مبنيٌّ عليهِ من البعثِ الذي هم فيه مختلفونَ بالاستشهادِ عليهِ بما لا يستطيعونَ إنكارَهُ. والهمزةُ للإنكارِ والتوبـيخِ، والفاءُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ وكلمة كيفَ منصوبةٌ بما بعدَها كما في قولِه تعالى: { { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } [سورة البقرة، الآية 28] معلقةٌ لفعلِ النظرِ، والجملةُ في حيزِ الجرِّ على أنَّها بدلُ اشتمالٍ من الإبلِ أي أينكرونَ ما ذُكِرَ من البعثِ وأحكامِه ويستبعدونَ وقوعَهُ من قدرةِ الله عزَّ وجلَّ فلا ينظرونَ إلى الإبلِ التي هي نصبُ أعينِهم يستعملونَها كلَّ حينٍ إلى أنَّها كيفَ خُلقتْ خلقاً بديعاً معدولاً بهِ عن سُننِ خلقةِ سائرِ أنواعِ الحيواناتِ في عظمِ جثتِها وشدةِ قوتِها وعجيبِ هيأتِها اللائقةِ بتأتِّي ما يصدرُ عنها من الأفاعيلِ الشاقةِ كالنوءِ بأوقارِها الثقيلةِ وجرِّ الأثقالِ الفادحةِ إلى الأقطارِ النازحةِ وفي صبرِها على الجوعِ والعطشِ حتى إن أظماءَها لتبلغُ العشرَ فصاعداً واكتفائِها باليسيرِ ورعيها لكلِّ ما يتيسرَ من شوكٍ وشجرٍ وغيرِ ذلكَ مما لا يكادُ يرعاهُ سائرُ البهائمِ وفي انقيادِها مع ذلكَ للإنسانِ في الحركةِ والسكونِ والبروكِ والنهوضِ حيثُ يستعملُها في ذلكَ كيفما يشاءُ ويقتادُها بقطارِها كلُّ صغيرٍ وكبـيرٍ.