التفاسير

< >
عرض

لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ
١٠
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١١
وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
١٢
-التوبة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

وقوله عز وعلا: {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} ناعٍ عليهم عدمَ مراعاةِ حقوقِ عهدِ المؤمنين على الإطلاق فلا تكرارَ، وقيل: هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومَنْ يحذو حذوهم، وأما ما قيل من أنه تفسير لقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ} أو دليلٌ على ما هو مخصوصٌ بالذم فمُشعِرٌ باختصاص الذمِّ والسوء بعملهم هذا دون غيره {وَأُوْلـئِكَ} الموصوفون بما عُدّد من الصفات السيئةِ {هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} المجاوزون الغايةَ القُصوى من الظلم والشرارة {فَإِن تَابُواْ} أي عما هم عليه من الكفر وسائرِ العظائمِ، والفاءُ للإيذان بأن تقريعَهم بما نُعيَ عليهم من مساوىء أعمالِهم مزجرةٌ عنه ومِظنةٌ للتوبة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وآتَوْا الزَّكَاةَ} أي التزموهما وعزموا على إقامتهما {فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانُكم وقوله تعالى: {فِى ٱلدّينِ} متعلقٌ بإخوانُكم لما فيه من معنى الفعلِ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملةَ الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلابِ قلوبِهم ما لا مزيدَ عليه، والاختلافُ بـين جوابِ هذه الشرطيةِ وجوابِ التي مرت من قبلُ مع اتحاد الشرطِ فيهما لما أن الأولى سيقت إثرَ الأمرِ بالقتل ونظائرِه فوجب أن يكون جوابُها أمراً بخلافِ ذلك وهذه سيقت بعد الحُكم عليهم بالاعتداء وأشباهِه فلا بد من كون جوابِها حُكماً بخلافه البتة {وَنُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ} أي نبـيّنها، والمرادُ بها إما ما مر من الآيات المتعلقةِ بأحوال المشركين من الناكثين وغيرِهم وأحكامِهم حالتي الكفرِ والإيمان وإما جميعُ الآياتِ فيندرج فيها تلك الآياتُ اندراجاً أولياً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين وهو اعتراضٌ للحث على التأمل في الأحكام المندرجةِ في تضاعيفها والمحافظةِ عليها.

{وَإِن نَّكَثُواْ} عطفٌ على قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا {أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} الموثقِ بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوة إلى الفعل حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ} الآية، أو ثبتوا على ما هم عليه من النَّكْث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ} قدَحوا فيه بصريح التكذيبِ وتقبـيحِ الأحكام {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي فقاتلوهم، وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريم للإيذان بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسةٍ وتقدم في الكفر أحقّاءَ بالقتل والقتال، وقيل: المرادُ بأئمتهم رؤساؤُهم وصناديدُهم، وتخصيصُهم بالذكر إما لأهمية قتلِهم أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظِنةً لها أو للدِلالة على استئصالهم، فإن قتلَهم غالباً يكون بعد قتلِ مَنْ دونهم، وقرىء (أئمة) بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصحُ إخراج الثانية بـينَ بـينَ وأما التصريحُ بالياء فلحنٌ ظاهرٌ عند الفراء {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ} أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يعدّون نقضَها محذوراً وإن أجْرَوها على ألسنتهم، وإنما علّق النفيُ بها كالنَكْث فيما سلف لا بالعهد المؤكدِ بها لأنها العُمدةُ في المواثيق، وجعلُ الجملة تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقُه بالنكث والطعنِ لأن حالَهم في أن لا أيمانَ لهم حقيقةً بعد النكثِ والطعن كحالهم قبل ذلك وحملُه على معنى عدمِ بقاءِ أيمانِهم بعد النَّكثِ والطعن مع أنه لا حاجةَ إلى بـيانه خلافُ الظاهرِ، ولعل الأولى جعلُها تعليلاً لمضمون الشرطِ كأنه قيل: وإن نكثوا وطعَنوا كما هو المتوقَّعُ منهم إذ لا أيمانَ لهم حقيقةً حتى لا ينكُثوها أو لاستمرار القتالِ المأمورِ به المستفادِ من سياق الكلامِ، كأنه قيل: فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أَيمانَ لهم حتى يُعقدَ معهم عهدٌ آخر، وقرىء بكسر الهمزة على أنه مصدر بمعنى إعطاءِ الأمانِ أي لا سبـيلَ إلى أن تُعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً وأما العكسُ كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتَهم معنا على طريقة أن يكون إعطاءُ الأمانِ من قِبَلهم وذلك بـيِّنُ البُطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه تعليلاً للأمر بالقتال إشكالٌ بل استحالةٌ لأنه إن حُمل على انتفاء الإسلامِ مطلقاً فهو بمعزل عن العِلّية للقتال أو للأمر به كما قبل النكثِ والطعن، وإن حُمل على انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعلَ الانتهاءِ غايةً للقتال فيما سيجيء فالوجهُ أن يُجعل تعليلاً لما ذُكر من مضمون الشرطِ كأنه قيل: إن نكثوا وطعَنوا وهو الظاهرُ من حالهم لأنه لا إسلامَ لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنسِ أَيمانهم وعن الطعن في دينكم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} متعلقٌ بقوله تعالى: {فقاتلوا} أي قاتلوهم إرادةَ أن ينتهوا أي ليكن غرضُكم من القتال انتهاءَهم عما هم عليه من الكفر وسائرِ العظائمِ التي يرتكبونها لا إيصالَ الأذية بهم كما هو ديدنُ المؤذِين.