التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
٤
أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
٥
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً
٦
أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ
٧
أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
٨
وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ
٩
وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ
١٠
فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ
١١
-البلد

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} أي تعبٌ ومشقةٌ فإنَّه لا يزالُ يُقاسِي فنونَ الشدائدِ منْ وقتِ نفخِ الروحِ إِلى حينِ نَزْعِها وما وراءَهُ يقالُ كبدَ الرجلُ كَذا إذَا وجعتْ كبدُه وأصلُه كبدَهُ إذَا أصابَ كبدَهُ ثم اتْسعَ فيهِ حَتَّى استعملَ في كُلِّ نصبٍ ومشقةٍ، ومنهُ اشتقتْ المكابدةُ كما قيلَ: كبتَهُ بمعنى أهلَكُه وهو تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم مما كانَ يكابدُه من كفارِ قريشٍ والضميرُ في قولِه تعالَى: {أَيَحْسَبُ} لبعضِهم الذي كانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يكابدُ منهمْ مايكابدُ كالوليدِ بنِ المغيرةِ وأضرابِه وقيلَ: هُوَ أبُو الأشدِّ بنُ كَلَدةٍ الجُمَحيُّ وكان شديدَ القوةِ مغتراً بقوتِه وكان يبسطُ له الأديمُ العكاظيُّ فيقومُ عليهِ ويقولُ منْ أزالَني عنْهُ فلَهُ كَذا فيجذبُهُ عشرةٌ فينقطعُ قطعاً ولا تزلُّ قدماهُ أيْ أيظنُّ هَذا القويُّ الماردُ المتضعفُ للمؤمنينَ {أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} أنْ مخففةٌ منْ أنَّ واسمُهَا الذي هُو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ أيْ أيحسبُ أنَّه لنْ يقدرَ عَلى الانتقامِ منهُ أحدٌ {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} يريدُ كثرةَ ما أنفقَهُ فيَما كانَ أهلُ الجاهليةِ يسمونَها مكارمَ ويدعونَها معاليَ ومفاخرَ {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} حينَ كانَ ينفقُ وأنه تعالَى لا يسألُه عنْهُ ولا يجازيِه عليهِ {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} يبصرُ بهمَا {وَلِسَاناً} يترجمُ بهِ عنْ ضمائرِه {وَشَفَتَيْنِ} يسترُ بهمَا فاهُ ويستعينُ بهَما على النطقِ والأكلِ والشربِ وغيرِها {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} أيْ طَريقي الخيرِ والشرِّ أو الثديـينِ وأصلُ النجدِ المكانُ المرتفعُ {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} أيْ فَلمْ يشكرْ تلكَ النعمَ الجليلةَ بالأعمالِ الصالحةِ وعبرَ عنْهَا بالعقبةِ التي هيَ الطريقُ في الجبل لصعوبة سلوكِها.