التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ
٢٠٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
-البقرة

مقاتل بن سليمان

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ}، وذلك أن كفار مكة أخذوا عماراً، وبلالاً، وخباباً، وصهيباً، فعذبوهم لإسلامهم حتى يشتموا النبى صلى الله عليه وسلم فأما صهيب بن سنان مولى عبدالله ابن جدعان القرشى، وكان شخصاً ضعيفاً، فقال لأهل مكة: لا تعذبونى، هل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: أنا شيخ كبير، لا يضركم إن كنت معكم أو مع غيركم، لئن كنت معكم لا أنفعكم، ولئن كنت مع غيركم لا أضركم، وإن لي عليكم لحقاً لخدمتى وجواري إياكم، فقد علمت أنكم إنما تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي واتركوني وديني غير راحلة، فإن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني، فقال بعضهم لبعض: صدق، خذوا ماله فتعاونوا به على عدوكم، ففعلوا ذلك، فاشترى نفسه بماله كله غير راحلة، واشترط ألا يمنع عن صلاة، ولا هجرة.
فأقام بين أظهرهم ما شاء، ثم ركب راحلته نهاراً حتى أتى المدنية مهاجراً، فلقيه أبو بكر، رضى الله عنه، فقال: ربح البيع يا صهيب، فقال: وبيعك لا يخسر، فقال أبو بكر، رضى الله عنه: قد أنزل الله فيك: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [آية: 207]، يعني للفعل فعل الرومي صهيب بن سنان مولى عبدالله بن جدعان بن عمرو بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى.
قال عبدالله بن ثابت: سمعت أبي يقول: سمعت هذا الكتاب من أوله إلى آخره من الهذيل أبى صالح، عن مقاتل بن سليمان ببغداد درب السدرة سنة تسعين ومائة، قال: وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عليه فى المدينة فى سنة أربع ومائتين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، رحمنا الله وإياهم.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}، وذلك أن عبدالله بن سلام، وسلام بن قيس، وأسيد وأسد ابنا كعب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنوا أهل التوراة، استأذنوا النبى صلى الله عليه وسلم فى قراءة التوراة فى الصلاة، وفى أمر السبت، وأن يعملوا ببعض ما فى التوراة، فقال الله عز وجل: خذوا سنة محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه، فإن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال:{ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}، يعني فى شرائع الإسلام كلها، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}، يعنى تزيين الشيطان، فإن السُنة الأولى بعدما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ضلالة من خطوات الشيطان، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [آية: 208]، يعنى بين.
{فَإِن زَلَلْتُمْ}، يعنى ضللتم عن الهدى وفعلتم هذا {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}، يعنى شرائع محمد صلى الله عليه وسلم وأمره، ثم حذرهم عقوبته، فقال: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} فى نقمته، {حَكِيمٌ} [آية: 209] حكم عليهم العذاب، {هَلْ يَنظُرُونَ}، يعنى ما ينظرون، {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ}، يعنى كهيئة الضبابة أبيض، {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} فى غير ظلل فى سبعين حجاباً، من نور عرشه والملائكة يسبحون، فذلك قوله:
{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً } [الفرقان: 25]، يعنى وليس بسحاب، ثم قال سبحانه: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ}، يعنى وقع العذاب، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [آية: 210]، يقول: يصير أمر الخلائق إليه فى الآخرة.